• الأحد 04 شعبان 1438هـ - 30 أبريل 2017م
مقالات أخرى للكاتب

لغة الحرف الملوَّن

تاريخ النشر: الخميس 03 أبريل 2014

بغياب الفنان محمد سعيد الصكار تخسر الحروفية العربية خطاً ورسماً أبرزَ المدافعين عن جمالياتها. منذ الطفولة تستوقفه كلمة مخطوطة على باب يأكله الصدأ. ثم تستفزه فرضيات المستشرقين عن طبيعة الحرف العربي المطبوع وحاجته لهيئات وأشكال مطولة بسبب التصاق الحروف ببعضها. سينفق أعواما من الجهد والتفكير عمليا بأبجدية يصفها بأنها مركّزة وطيّعة تلائم الطباعة الإلكترونية التي كانت تحدياً لوجود الخط كترف جمالي وتراث متفرد الدلالة على هوية الثقافة العربية. أبجديته المختصرة غيرت هيئة بعض الحروف ومزجتها بزخرف جميل صار جزءاً من وظيفتها البصرية، بعد تشكّلها جملاً تحمل التقشف والروحانية التي تم بها تشكيل الأصوات اللغوية في تركيباتها المرئية. يتآزر التصميم والخط والتشكيل على رسمها وإدراجها في الماكنة الجديدة التي أرادت التهام الخط كفن مستقل، لمصلحة الشكل الطباعي للكتابة. محارباً كان من أجل تحقيق فرضيته وتهوين التحديات الطباعية. وهكذا صارت أبجدية الصكار ذات وجود رسمي بعد أن نال عنها براءة اختراع في أكثر من مكان. كان الصكار شاعر الخمسينيات المتأججة ثقافة وسياسة قد اختار الكتابة بالشعر الحر، وتمدد اهتمامه من بعد لكتابة السرد والمذكرات والتنظير الجمالي وتاريخ الخط. لكن الرسم ظل أكثر الفنون تعبيراً عن ذاته ربما لقربه من التشكيل الحروفي. وإذا كان رسامو البعد الواحد قد نقلوا جماليات الحرف العربي لتزيين لوحاتهم وإضافة أبعاد روحية عليها، فإن الصكار فعل العكس تماماً، إذ أضاف للخط جماليات التشكيل البصري زخرفةً ورسماً فجاءت خطوطه سيمفونيات لونية وزخرفية، يتوافر فيها الكثير من أساسيات اللوحة المنجزة والمعروضة للقراءة البصرية. ثمة فراغ ومساحات، ألوان وكتل تتواشج وتتعالق من خلالها الحروف التي تبعث للبصر بجانب المتعة الهائلة رسالةَ الدفاع عن الوجود الحرْفي عبر الخط وتحديثات الصكار المميزة جرأة وجمالاً. وكأي مشروع تجديدي لاقى الصكار عنتاً ورفضاً من التقليديين والمتمسكين بالقواعد دون ابتكار أو تميز. سيقضي شطر حياته الأكبر خارج وطنه وسيقيم ورشات إبداعه ومعارضه في محترفات كثيرة، فأوصل أفكاره وتحديثاته الحروفية للعرب والأجانب على السواء، وظل نموذجاً لاندماج الفنون وانفتاحها على بعضها، فتوحدت فيه شخصية الخطاط والرسام والشاعر والكاتب. بقصائد ديوانه الأول «أمطار» أعلن انتماءه للتجديد في الكتابة الشعرية، وأضاف لمساته الجمالية مصمماً لدواوين عديدة كتبها زملاؤه، وكانت نقلة جمالية وفنية في التوزيع اللوني والكتلي والخطي على الأغلفة التي تميزت بما أضاف لها الصكار. وسيدفعه حرصه على المنافحة عن الخط العربي لتأليف كتاب في الخط العربي للناشئة يصفه في العنوان الثانوي بأنه «مقدمة مبسطة لتاريخ الخط العربي مع كراسة خط الرقعة»، ومن العجيب أن الصكار لم يتعلم الخط مدرسياً، بل عكف على التعلم من الكراسات المتاحة وتطبيقات الأشكال الخطّية. في غربته القاسية ظل الصكار يرى وطنه البعيد «نهراً من الأضواء/ يمسح وحشة الليلِ»، ولبغداد التي عمل فيها والبصرة حيث نشأ وتعلّم سيحتفظ بالأمل.. أمل رؤيتها معافاة تنهض من رمادها.

     
 

شكرا للدكتور حاتم هذا الأستطراد الجميل

هي روحك التي تفيض بجماليات القراءة لشخص متعدد المواهب , في سياق تكاملي , يأبى الدرس النقدي إِلاَّ أن يراه واحدا وكُلاًّ متكاملا ,يبدأ الناقد الحصيف الدكتور حاتم موضوعه الجميل بالحديث عن غياب الفنان محمد سعيد الصكَّار وما يمثله هذا الغياب من خسارة للحرف العربي ثم يمضي بنا في موضوعه الجميل ليربط بين الخط والفن التشكيلي والشعر في سياق جميل يميز هذه الشخصية المتنوعة والمتجددة وما يمثله غيابها من خسارة كبيرة على الفن والأبداع الجمالي, كل الشكر لحرفك الجميل دكتور حاتم

أحمد ناجي أحمد النبهاني | 2014-04-04

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف