• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

القصيدة والسكّين

تاريخ النشر: الخميس 27 مارس 2014

لابد أن يتساءل قارئ ديوان الشاعر السبعيني هاتف جنابي «موعد مع شفرة السكين» كيف ستمر القصيدة من الحافة الدامية، وماذا سيفعل الشاعر عندما يحين موعد قصيدته المتخيل مع شفرة السكين؟ اللغة هنا في العنوان خاصة تلخص المسألة فالموعد واضح ومحدد. إنه مع الشفرة تحديداً: الحتف أو النهاية المنتظرة في وضع لا معقول يتسلل من الواقع إلى النص. لقد جرت أحياناً قراءة الشعر العراقي المكتوب في المنافي والمَهاجِر بكونه مبتعداً بمسافةٍ ما عن واقع الوطن، وما مرَّ ويمرّ به. لكن النصوص المتوالية لشعراء ما كان يُعرف بالخارج - قسيما لوهمٍ مقابل شعراء الداخل- أثبتت أن المسافات الفاصلة، والعيش (هناك) لا توفر للشعراء راحة متخيلة، تنجيهم من اقتسام الأسى نفسه ورؤية الوقائع بما تنطوي عليه من دلالات فاجعة. وديوان هاتف جنابي هذا أحد شواهدنا على تلك الفرضية.

ثمة قصيدتان سنشير إليهما خاصة: «لقاء عابر مع جندي عائد من حرب العراق»، يقف الشاعر المغترب (يعيش هاتف منذ قرابة أربعة عقود في بولونيا) متأملا ً عودة الجندي وما ظل في ذاكرته من حربه تلك. وقصيدة أخرى من وحي ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة ببغداد التي دخلها المتطرفون ليفجروا أنفسهم بين المصلين وليقتلوا العشرات: «لا نجاة لنا بعد يوم كسيح ألمَّ بنا/في النجاة»، ويتساءل: هل لبغداد وقع الجحيم؟ إذن فالمسافة بين بغداد ووارسو لم تمنع الرؤية واستمداد التفاصيل التي تحولت صوراً وأسئلة وبكائيات. في قصيدة (اليد) ذات الأهمية من جهة بنائها لكونها متقنة التوزيع السطريّ والتكرار، يكتب الشاعر: «أيادٍ تواسي/أيادٍ تكتب ميراث السماء/أيادي الرافدين الغريقين/أيادي المحو والذاكرة/ كلماتي يد/كتابي يد/.. أنا الضرير تسندني يدٌ مبصرة».

وفي استنطاق الحواس يكتب الشاعر قصيدة من بيت واحد هي «عين» ونصّها: الظلمةُ عينُ البصير. وفي الرهان على الرؤية لا البصر العابر يكتب: «للمرء عينان/للرائي ثلاثة». وهذا التفريق بين المبصر والرائي يوظف الحواس لاستغوار العالم والتعامل معه، لا كمرائي عابرة بل شواهد حياتية تخفي حكمتها التي لا تنكشف إلا لراءٍ بثلاث عيون، يغرف بيده وبصره وقلبه وعقله ما يزيده تشبثاً بالحياة والحرية. «الحرية» هي عنوان قصيدة تبسط للقارئ موقف الشاعر من الكتابة كالتزام فكري: «أكتب كي يكون للشهيق والزفير معنى/ وللحياة مغزى/ أكتب كي يكون وسع حلمِه الجناحُ/سابحاً في الفضاء الرحب» وإزاء إعلان كهذا لاشك أن القصيدة ستواجه موعدها مع شفرة سكين رمزية: ليست كما هي في المعنى، بل في دلالتها على ما يحل بالشعر من غربة وفجيعة، تتسلل إليه مما يحف بالحياة، ويجعلها فاقدة المغزى الذي يريد الشاعر أن يرده لها. بثلاث مجموعات شعرية وتجربة أولى في السبعينيات المحتدمة يطل هاتف جنابي في ديوانه هذا، مجرباً بحرية كتابة الوزن والنثر والقصائد بالغة القصر المقتربة من الهايكو كثيرا في مواضع تستلهم الطبيعة وتفسرها بحكمة وعمق: «أكثر الفصول تبذيرا الصيف/ وأكثر الفصول كرما الربيع/وأقل الفصول حياءً الخريف، لأنه يتعرى دائما».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف