• الاثنين 05 رمضان 1439هـ - 21 مايو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

رامبو في قراءات مبكرة

تاريخ النشر: الخميس 07 فبراير 2013

كبرت مكتبة رامبو العربية مع صعود تيارات التحديث في القصيدة العربية و انتشار الترجمات الشعرية من اللغات الأجنبية لتعضيد الكفاح الحداثي وتعزيزه بآباء ومراجع. ها هي أعماله الكاملة تصدر بعد ترجمة كاظم جهاد بترجمة رفعت سلام، إضافة لدواوينه وقصائده المتفرقة التي ترجمت مراراً. لكن الملاحظ تأخر تعرفنا على حياته وشعره وقراءة دلالات تمرده وهيجانه المبكر على الثوابت والموروثات الشعرية والحياتية، ثم صمته واختفائه من المشهد الشعري كله، وانصرافه لحياة أخرى كأنها نوع من الانتحار الشعري أو العقاب المدمر للذات. فبينما تكتظ باريس بالجدل حول الرمزية التي يمثلها شعره وأثره المدهش في الكتابة الشعرية، يكون رامبو قد قرر أن يهدر سنواته الباقية في الطواف بين المدن.

لكن ما يقدمه صدقي إسماعيل في كتاب مبكر- هو (رامبو-قصة شاعر متشرد) عام 1952- يمثل انعكاس القراءة الثقافية العربية الأولى المحتكمة لما سيسميه دارسوه اللاحقون (أسطورة)رامبو، وما ناله من تضخيم، يتحدث عنه الشاعر سامي مهدي في (قراءة مختلفة) ضمها كتابه حديث الصدور (آرثر رامبو- الحقيقة والأسطورة).

فقراءة صدقي إسماعيل المكتوبة مطلع عقد الخمسينيات التجديدي، تمثل استعادة لصور ثبتت في التلقي عن رامبو، كالعنوان الواصف للشاعر بالمتشرد، واتخاذ القصة سبيلاً لتعريف القراء بمحطات حياته الرئيسة وكتاباته، فكأنه في رؤية الكاتب مغامر يمكن للسرد أن يري القارئ ما كانت عليه شخصيته المثيرة للتساؤل.

وتعكس قراءة صدقي إسماعيل نظرة المجددين العرب لحقبة التحديث الشعري وارتباطها بأولئك الخارجين على المحظورات في بيئاتهم كخطوة لإنجاز مشروعاتهم التحديثية. ولما كان الرفض الأخلاقي من أهم مبررات مهاجمي الحداثة العربية ومنتقدي منجزها؛ فقد انعكس ذلك في الخطاب المصاحب لسرد قصة حياة رامبو وتشرده. في الأسطر الأولى من مقدمته يقرر صدقي إسماعيل أن رامبو (كان في عداد الشعراء الذين أطلقت عليهم الحضارة اسم ((المنحطين)) لأنهم رفضوا كل عرف سائد وبشروا بالعودة إلى تجربة الإنسان الفردية بكل ما فيها من فضائل وشرور). فاستخدم مفردة المنحطين بدل ترجمة الملعونين التي أطلقها فرلين على نفسه و بودلير و رامبو وغيرهم. بذا يصبح رامبو في ثورته على الأنظمة والتقاليد والأساليب السائدة (رمزاً لعصره بأسره). وذلك يتيح للكاتب أن يحترز على ما في ثورة رامبو وزملائه (من انهيار أخلاقي وإنكار للقيم الروحية واستهتار بكل عرف اجتماعي..) لكنها لم تمنع أصحابها باعتراف الكاتب في استدراكه من أن يكونوا (نماذج صادقة مخلصة في ثورتها.. أعطوا وجودهم كله لقضية عصرهم) وهي الصورة المرسومة للمجددين العرب أيضاً. هكذا لاحق صدقي إسماعيل رامبو في قسمين خصص أولهما لرامبو الشاعر منذ طفولته (الخارقة) ورحلاته وعلاقته مع فرلين ورامبو (المغامر) الذي مات الميتة التي يريد متوحشاً رائع التمدن) كما رثاه فرلين وختم به صدقي إسماعيل قراءته.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا