• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

جمال الصحو

تاريخ النشر: الخميس 30 يناير 2014

يستلذون النوم في ثباته المطلق، ولا يرون للصحو المبكر أية جمالية أو لا يشعرون بها على نحو أدق. هم لا يسعون إلى الصفو الذاتي، ولا يدركون المعنى الحقيقي للصحو المبكر، والنفس تتأهب لاستقبال الصباح المشرق. ثمة حجاب بينهم وبين ذلك يتمثل في عادة مزمنة، مستقرة، يصعب عليهم تغييرها هي النوم إلى وقت متأخر. عادة تبدو لدى البعض طبعاً متأصلاً يصعب عليهم الانفكاك منه.

لكن هؤلاء النوّم يفوتهم الكثير من جمال الصحو، من بريق الإشراق الجميل الذي لا يعرف معناه إلا من يسترسل في الصحو المبكر، ويثب نقيا صافيا غير متكاسل ولا منكمشا على ذاته. يستيقظ أمام تجدد الحياة المشمسة الناصعة المسترسلة بالغيوم الآتية من بعيد، والمحملة بشغب المدن وزهو النسمات الصباحية، وهي تداعب الزهور المنتشية برائحة رحيقها العطرة.. صحو يمسد اللحظات الأولى.

في الصحو الصباحي، رسالة الإنسان المبتكرة في سعيه الحثيث لمد خطواته ومجد تكوينه في خلايا العطاء المنبثق مما يحق له أن يزهو به: تعمير الأرض ورسم حالة من الحب والبهجة والفرح في محيط التكيف المنشود ما بين الإنسان والطبيعة الحاضرة، فالصحو بناء التأصيل والتواصل من اجل حياة مشرقة تقرأ من خلالها مفردات الأحلام المنبعثة والمتجددة في ذاكرة المدارات.

فالصباح الباكر لا سواه يبث تفاصيل الحياة من جديد على الملأ، أما النائمون الذين لا يستيقظون إلا على وجل، تطاردهم أحلامهم التي تتبخر قبل ان ترى النور او تراها ترفل في خلايا الجسد، وكأن لهم في النوم زهوا آخر يعبر بهم نحو مسارات مختلفة. وإذا الصحو باغت ملاذهم يحيلهم إلى انزعاج تام، ترى ما هو ذلك الحب المفرط الذي يتجوف في حياة الأحلام المزمنة؟

ما الذي يمنعهم أن يخرجوا على مألوف اعتادوه حتى أصبح عادة يستسلم لها المرء ولا يمكنه أن ينفك منها؟

لماذا يطول النوم إلى هذا الحد؟

تمنيت كاتباً مثل بول ماكنينا ليؤلف كتاباً بهذا الخصوص، وهو الذي كتب كتبا مهمة على صعيد السلوك الإنساني والذي يعتبر مختلفا عن السائد وموجها المجتمع العالمي نحو السلوك القويم. وتطرق في احد كتبه «أستطيع أدعك تنام» لمعضلة الإرهاق الليلي وكيف يخلق حالة من اللاتوازن لمن لا ينتظم في النوم.

وثمة كتاب آخر لا يقل أهمية عنه وهو «كيف تغير حياتك في سبعة أيام»، وكتبا أخرى بعناوين مختلفة وأغلبها تعنى بالسلوك الإنساني وتقويمه بحيث يتوازى مع الحياة الأفضل، مستشهدا بقصص لمشاهير، ومستندا لبراهين وحكم مضطردة.

إن الصحو الفكري والثقافي أيضاً ينطلق من مثار التجدد الحياتي المنبثق من الصحو المبكر؛ فلذة القراءة تكمن في مطلع اليوم المنغمس بالهدوء والشمس تسطع أشعتها من نوافذ الكون المتعددة، كذلك لذة الكتابة تتجدد في البدء من خلال ما يلوح به الصبح؛ فالكتابة في هذا الوقت المبكر، في صفو الذات لها طعمها الفكري وخاصيتها الثقافية ولها دلالات ذاكرة المكان والزمان، وليس أدل على الحياة من بدئها تاركة خلفها صباحات متراكمة وها هي تتجدد مضيئة ونيرة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف