• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
  02:36     وزارة الدفاع الروسية تعلن تحطم طائرة سوخوي-33 خلال هبوطها على حاملة طائرات في البحر المتوسط     
مقالات أخرى للكاتب

صورة أخرى للحياة

تاريخ النشر: الخميس 22 يناير 2015

في ظهيرة كل جمعة أرى مسنا يتأبط صحيفته وهو يخرج من مصلى حارة الكرامة، يبدو من سماته قد وفد من بلاد الشام. وهو يتخذ من الطرقات مساراته مثلما يفعل سائر المصلين بعد خروجهم من المصلى إلا أنه لا يجد يداً تأخذ بيده وهو منحني الظهر في أرذل العمر. نحيل الجسد على وجهه أثر الزمن.. وحيد، بلا صوت يرافقه الى مسكنه، ولا القوة تسعفه كما كان عليه حاله في الماضي. يسير كما لو أنه يكتب بقلم حبره الداكن: لا المساجد هي المساجد ولا الأرصفة تشبه ما اعتاد، ولا بائعا دمشقيا يهتف على المارة ولا لغة تحمل صفات أهل الشام.

يبدو غريبا ضمن الوجوه العابرة؛ فمثله كمسن لا يمكن أن يحيد عن حياة اعتادها أو مساءات استقى منها فنجانا من القهوة. يسير ببطء، لا يستعجل في المشي، ولا هو يصبو الى قراءة سريعة لصحيفة الكترونية فالحروف التي اعتادها يستيقظ على رائحة حبرها. ترى هل يسمع صوتاً للخبر أو تراه يبحث عن قصيدة في صباه رددها مرارا أو تراه يبحث عن مدن أضاعها، لعل الحروف تسترجع الماضي الجميل او لعلها تنبئ بخبر فيه من الفرح ما يكفي لطمس النار أو لعله يقرأ ما يجعله يمحو الليل الدامس الذي امتزج بالخوف والتشرد.

انها حتمية الحياة والكتابات الكامنة في ثقافة لها من الجمالية ما لها كامنة في صورة المكان، وماثلة في صورة الزمان. لذا تقرأ في ملامح الرجل ملامح زمن لا يمكن إلا أن يعود إلى عهد سابق، حين كانت الصحيفة لا سواها من المصادر المقروءة هي المصدر الذي يستقي القارئ منه الخبر، مؤثراً حالة التشبع بالحرف والقراءة.. هي حالة أو ممارسة ثقافية لا يدرك جمالها إلا من خبرها.

من سمات الرجل المسن هذا أو من نسيجه يبدو مطمئناً، أدى صلاته وتأبط صحيفته، وربما لا شيء آخر يهمه أو يبحث عنه.. يكفيه من الطعام القليل.. يسير متحرراً من كل الصور العابرة حوله، مكتفياً بنفسه.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف