• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

موقعة الحقيبة

تاريخ النشر: الخميس 26 يونيو 2014

الزهور ترمز إلى الجمال، ولها إيحاءات جميلة، تفوح من وريقاتها المرهفة رائحة العطر المخملي مع أن أغصانها مشبعة بالأشواك المدببة، وما أدراك ما هي الأشواك حين تخترق الجسد، وحين تعتصر الدم، وحين تقطره حتى يسيل سيلاً... بينما العطر تعم رائحته الأجواء.

عادة، لا يسأل المرء عن الورود بقدر ما يدل عليها عطرها الفواح.. أو هكذا بدا لي الأمر وأنا أتذكر الزهور والورود، فيما تجلس أمامي فتيات فاق عددهن أبعد حد، وزها اللون أيما زهو، وتشكلت العباءات في تشكيلات بديعة، وامتزجت عطورهن برائحة القهوة الدالة على أن المكان (الكوفي شوب) أشبه بحديقة مفعمة بالعطور النسائية.

اللذة وحدها، أحياناً، تستعيرك من صلب الحياة اليومية وتعدو بك إلى مكان هادئ، و(كوفي شوب) أنيق، يستمد جمالية خاصة من مدينة «الصوة» الجديدة، وهي تغزل ضوءها على مقربة من زرقة بحر الخليج العربي.. ويبدو «مول غاليريا» جديراً بالمكان الراقي، لكنّ هناك بعضاً مما زالوا يطاردون السحب والوهم وتستهويهم الرعونة أمام المشاهد الحضارية الأخاذة، وتراهم يحملون عبثهم وشقوتهم إلى إرهاصات المكان الجميل، بل إن أحدهم تجرأ واختلق قصة عابرة ليقترب من فتاتين جالستين في ركن (الكوفي شوب) تتحادثان بصوت هادئ، وعطر الشفافية رونقهما، ولما اقترب إلى درجة محظورة وخادشة وتستحق الرد بلا هوادة، باغتته إحداهما بحقيبة جميلة تناثر منها ما تناثر من قارورات ملونه ومذهبة، هي قارورات من العطور المركزة والشفافة، بينما لامست قبل سقوطها جزءاً من وجهه فتهشمت رجولته، ومضى هارباً متسلقاً المصاعد المتحركة تتبعه بصوتها الذي لم يبد ناعماً هذه المرة، بل كانت تلعنه وتحتقره بسبب تعكيره لصفو اللحظات العابرة.

بعد موقعة الحقيبة عاد الهدوء إلى المكان. ارتشفت القهوة وفي ذاكرتي حضر العاشق قيس ابن الملوح وقصص العشق العذري، في تلك الأزمان التي خلت، يعكف العشاق على بناء اللحظة الجميلة وبناء الحياة، ومن خلال ذلك يحصل البناء القصصي الذي امتدّ كالإرث، يصطفي التاريخ منه ما يشاء؛ فمن ينسى قول ابن الملوح:

تعلقت ليلى وهي غرٌ صغيرة

ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجم

صبيان كنا نرعى البهم يا ليت

إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهمُ

ويقال بعد ذلك إن أباها حجبها عنه، فهام على وجهه في البراري ولم يعد إلى الديار، لكن قصص العشاق لم تعد عابرة بل شغلت الحياة وبلورت الشعر العربي والعالمي، واتخذ الأدب منها منطلقاً وفضاء فكرياً؛ فمن منا ينسى روميو وجولييت، عبلة وعنترة، كثير وعزة... وسواهم. لقد كان العشق منبت الحياة ورمزها؛ فبطل كعنترة لم تهزمه المعارك بل هزمه العشق، فمنه نبتت أشعاره وقصائده لنستلهم منها الصورة كاملة رغم التدرج الحضاري.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف