• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

ذاكرة مشرقة

تاريخ النشر: الخميس 05 يونيو 2014

يبحث الإنسان دائماً عن الألق في يوم مشرق، يتجدد ويتطهر من رهق ما قبله من الأيام. وربما يقول قائل: لكن الأيام متشابهة لا اختلاف في الطبيعة ولا في الحياة ولا في سياق الإنسان نفسه.

في رواية صلاة الغائب، ومن الباب الأول، يبدأ الطاهر بن جلون روايته بعنوان: “عشق النسيان”، وهي مؤامرة على الذاكرة، إذ بلغ الألم حالة متجسدة ومتورمة حتى انسلخ من جسد الوعي المتيقن إلى جسد آخر تبدأ منه رحلة أخرى: “ذلك الجلد المجرح الذي أودع بين العشب والحجارة وأهمل بالقرب من جحر أفاع، إنه في أمس الحاجة إلى وقت يتمكن فيه من التعود على هذا الجسم الجديد الذي سيكون له سكنا ومستقرا بلا حين”. وتقول الرواية: “إنه الاستقرار في حالة غيبوبة قد لا يكون الموت نهايتها، إذ غفل الزمان عنها”.

إذن.. الهيئة المادية للإنسان على موعد مع الجمود وعدم النضج أو التغيير؛ فالإنسان قدر له أن يحرك ذلك الجمود إلى فضائه الرحب، ويتجدد من خلاله، وأن يعيش في ذاكرة الحياة واستمرارها، لا في ذاكرة النسيان المثخنة بالنهاية.

قد يترجم الكتاب في مؤلفاتهم والشعراء في أشعارهم بريق التجدد الحياتي، بينما تجرّ العتمة بعضهم الآخر ليبشر المتلقي بإرهاصات مضت من الذاكرة، فلا يمكن أن نتخيل حالة الإبداع المتجددة تفرز كتابات من اجل أن تضع المتلقي في أرق، وفي حالة من التمزق النفسي والترقب والحنين، وأحيانا بسبب الاحتدام الشعري المحدود الفكر والثقافة تصبح ذاكرة الإبداع غير مستساغة. إن فلسفة الحياة في إشراقها المتجدد، المتحضر، الشفاف، المؤنس بحكمة القدر الذي خط ابتسامة مشرقة على شفاه أطفال عراة نسيتهم الحياة.. لكن لم ينسوا الضحك أو مثلما جددت الرواية نفسها في تصورها الصوفي أن ترقى فوق الألم لتمرر السعادة إلى النفس التواقة دائما إلى جمالية الحياة، ومثلما أولجت الرواية: “جلس عدد من الرجال مسندين ظهورهم إلى السور الأحمر... إنهم دوما هناك في نفس المكان ولا شك أن أفكارهم راحلة، مبحرة منطلقة إلى ضفة أخرى من ضفاف النهار”. ومن منطلق هذه الرواية، وفلسفتها للحياة، وأنساقها المتداعية، فإن الرواية هي ذاكرة الحاضر وليست الغائب الذي يذهب بعيدا من أجل أن يستشرف الحياة من جديد، وبذلك استطاع الراوي أن يغيّب الألم الذي عانى منه طويلاً، وعانت منه مداخل وانساق الرواية التي تولج المتلقي في عناوين مختلفة تحوم حول الذاكرة مثل: عشق النسيان، نسيان فاس، قرية النسيان، قرية الانتظار.

فالرواية تهمس في ذاكرة النسيان، من أجل إشراقة مطلة على الحياة، ممتزجة بالروح المشبعة بالأمل؛ فلكل راوٍ طريق ومنابت مختلفة، ورؤى وثقافة وفلسفة تميزه عن سائر الرواة المتصلين مع جذور الرواية.. لكن تظل آية الحياة المتجددة واحدة تختزل سائر القصص في أنموذج متجدد، يختلف سياج الجسد وتبقى القيمة في الروح المتجددة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف