• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

النهر لا تمتعه الوحدة

تاريخ النشر: الخميس 29 مايو 2014

من يرى المدينة تتلألأ رؤوسها ناطحات السحب، يقول: إنها تومض صاخبة، ومثلها مدن كثيرة يعرج إليها الظهور وفي طيها الخواء.. هذا الوميض يشع من مدينة فرانكفورت الألمانية، فيشير إلى حكايات من الزمن السحيق عبرت لغات من جذورها إلى سمائها، وهي النابضة بسمات المال والأعمال وبصفات مالية وتجارية ضخمة، ومن صفاتها أيضا تشهد إرثا أدبيا مهما للشاعر والروائي يوهان غوته الذي ولد بها ونشأ على ضفاف نهرها الجميل الراين، فترعرع وكتب في فرانكفورت القديمة، حيث بيته لازال يجذب الزوار، وتقام فيه المناسبات الثقافية، فهو رمزها الذي يطوف اسمه العالم بأسره، وهو من معالم المدينة ويلامس تراثها. فمدينة مثلها أنجبت هذا العملاق والفيلسوف والروائي لابد أنها مدينة لايستهان بها، وهي تشعل الحياة من حولها، بل من جمالية القدر أن يلتقي فيها نهرا الراين والماينز وتلتقي حولها مدن صغيرة وقرى وغابات.

فالماء الساخن ينقش الحجر متفجرا من أعماق مدينة فيزبادن التاريخية والجارة الأبدية لفرانكفورت، تتشابك معها في سلسلة الجبال الرائعة، ومعا يجمعهما مدد الأنهار، إلا ان فيزبادن تتمتع بهدوء السهول وانفتاح المروج، لذا تلجأ إليها عمدة مقاطعة هيسن بأسرها، وتجاورها مدينة ماينز التي تتمتع بالثقافة والجامعات ويفد إليها الطلبة من دول العالم لدراسة العلوم المختلفة، وفي جامعتها جزء خاص باللغة العربية والدراسات الإسلامية، وهذا ليس بجديد، حيث اهتم من قبل الروائي جوته بالعلوم والتراث العربي واطلع على الآداب العربية، ويشير الدارسون لأدبه وثقافته إلى ذلك، وهي دلالة مهمة على التقارب الثقافي والحضاري على مر العصور بين الثقافتين العربية والألمانية.

فمن قمة جبل نيو برج المطل على فيزبادن بكل تفاصيلها التاريخية إلى مدينة صغيرة مطلة على نهر الراين إطلالة برائحة الكروم التي تغطي مساحة شاسعة من مرتفعاتها، فالمرء لا يغادرها بسهولة، ولا تحتجب عن ناظريه إذا ما تلاشت الصورة تظل تتشكل في الذاكرة إلى مدى أبعد، فمنها ربما تعبر العابرة الى الضفة الأخرى أو إلى قرية (اسمهنش) وهي لا تقل جمالية وروعة، فمثلما تزخر فيسبادن بالمياه الكبريتية وهي مقصد للعلاج، كذلك (اسمهنش) بها أشجار جافة ومعتقة تصدر رائحة تعتبر علاجا لمرضى ضيق التنفس.

يمتد نهر الراين ولا يتوقف، يعبر المدن، يحمل أحلامها وأسرارها، يمضي بالمرء ويرسم له الإبداع والخيال، فالمدن التي على ضفافه مشبعة بالجمال تمتع الزائر بصورها الخلابة، والغرابة تكمن في إمكان المرء أن يسير مشيا على الأقدام مسافة بعيدة، وربما يمتد المطاف عبر المدن نفسها والتي لا يتوقف حضورها وتفاعلها، ربما ترسم الصورة تلو الصورة وتتناغم اللغة الإبداعية عبر هذا الكرنفال الرائع من المدن التي أشرت إليها أو لم أشر، فالمهم بأن النهر لا يسير وحده إطلاقا عبر المسافة، ولا تمتعه الوحدة والسكون، بل دائما ما يتخذ مسكنا من وهج الحياة نفسها ويتفاعل مع الطبيعة الخلابة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف