• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

محمد الحربي

تاريخ النشر: الخميس 22 مايو 2014

من الصعب أن تنسى كاتباً مثله تبوأ المساحة الثقافية وصفحاتها، ولا يمكن ألا تشغف لبصمة القلم الممتع وبهجة اللغة، والأهم إنه العقل الثقافي المتوهج بالفكر، فالأديب محمد الحربي توسم السيرة الذاتية في بدايات العمل الصحفي ومهنة الثقافة في حقبة لا تبدو ذات ماهية عادية ضمن كبار الإعلامين العرب الذين وفدوا من أجل رسم الخطوط العريضة ومفرداتها الثقافية. ونعلم بأن الرجل شغل أنماطاً مختلفة في الإذاعة والتلفزيون، من خلال برامج ثقافية متعددة.

في زمن لم يكن بالإمكان أن ترسم صورة ثقافية نمطية جوفاء، أو تختص لنفسك بالهالة الإعلامية، أو تستنسخ ضوضاء متجسدة من خواء الهامش.

من زمن البدء تجمعنا الصداقة والحرص على اللقاء، وهو لا زال يعزف على سلم الوقت، من خلال وشم القبيلة، ويتأمل تلك المشاهد الثقافية التي مضت، وتلك الآتية.. وربما أخذ الحوار بيننا وقتاً طويلاً لكي نتفق على التأمل المتجدد في سياق الحياة الثقافية، ورغم هدوئه لكن يستفزه الجمود المقترن بالعبث أو بالمنعطفات الهزال، كون الثقافة جوهراً يتجدد ولا يتحدد في أنساق مهينة، أو مضطربة.

في الغياب كما هو في الحضور، الرتابة لا تتسلل إلى مثقف محنك مثل الحربي، ولا تولد لديه ككاتب قناعة بالتنحي أو التوقف، بل من خلال هدأة النفس يتجدد النبض، ويتشح المسار الجامح بغريزة التجدد من أجل أن تزهر الثقافة وتثمر.. وانتماء الحربي للسرد خط له كتابه الأخير «صديقي الغراب» الذي ألزمه بتجربة الكتابة باللغة الإنجليزية، ولهذا الاتجاه جمالية البحث عن قراء جدد وثقافات تنحو إلينا وننحو إليها من خلال الكتابة المباشرة. ومبدع كالحربي دائما ما ينتهج السرد الفلسفي الذي يبحث عن الحقيقة من خلال المنهجية الثقافية، وهي نقطة الالتقاء وبدء المسار نحو قراءة التجربة المعنونة بـ«صديقي الغراب».

ويشحذ الكاتب كل المفاهيم والدلالات والأنماط الإنسانية والحضارية والرؤى التاريخية والصور الدينية، وأيضاً التفاعلية، فيما يخص الكتابة عن جوهر الكتاب، وهو الكائن المسمى بالغراب الذي يمثل عبر التاريخ والعصور المختلفة أنه ضمن سياق الحياة وطبيعتها ومكوناتها من الحيوانات المختلفة، ولكن الإنسان لا يحبذه، بل يتبعه بنعوت مختلفة فيها الكثير من الإسفاف والكراهية، بينما يرى الكاتب محمد الحربي بأن مكون الغراب به دلالات بيئية ومؤشرات خلقية مهمة ربما لا تتوافر في كائنات هي صديقة للإنسان، وتكاد تكون ضمن «الريتم» الحياتي الذي يوليها التفاعل والاهتمام، لكن بالنسبة للغراب دائماً تضعه المفاهيم التاريخية ضمن إطار الكراهية، وتستمر الحياة على هذا النمط الذي يجسده الكتاب، كتاب جميل يشع بالأفكار، والأجمل أن نرى الأفق يتجدد من خلال المبدع الجميل محمد الحربي، الصديق الذي عاد إلى تفاعله مع الساحة الثقافية مترجما القيم التي تربط الكاتب ولا يمكن أن تفصله عن مداراته الفكرية والثقافية، بل إن الغياب لا يبعده بقدر ما يقربه أكثر إلى الحياة الثقافية، خاصة أنه من الطليعة ذات البصمة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف