• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

حياة ماركيز

تاريخ النشر: الخميس 08 مايو 2014

حين نام «ماركيز» نومته الأبدية لم استأ حزناً عليه، ولم أمزج حروف الكتابة بلون السواد، مع الذين ذرفوا جل حزنهم على الكاتب؛ فقلت لربما لأن الحروف نفسها ندوّرها على رحى الحزن أو لربما أرى «ماركيز» نفسه كرواية جميلة عاد الموت صوغها في عقول الأدباء والكتاب، وفي فطرة كل من ينتمي للحرف والقلم. فالنهاية في خيالنا قبل البداية، وفي حكاياتنا يعشش ذلك الرحيل، وحياة ماركيز بدأت تجسدها في رحيل البقاء وهو محملاً بحزمة من الكتابات والكتب والثقافات الحياتية المختلفة التي يعيد ترجمتها القدر بصورة مختلفة أو ربما هناك روايات في مخبأ ما تنتظر قبل الرحيل كي تبزغ لهفتها في القراءة وجماليتها حين ينأى الكاتب ويبقى الحرف في خيال المتلقي.

أنا أحد هؤلاء المتلقين. أتأمل الرحيل من غير ألم ولا ردة فعل، وأرسم له صورة اعتيادية لأن السيرة الذاتية لا بد أن تتوقف، وهنا يسمو هدف النهاية وتتبلور حكاية المبدع الكبير المتأصل فينا بقلمه، وما بروزه الأخير سوى عنوان آخر لرواية هي أقرب إلى الاستيقاظ الأخير يتأمل فيه الكاتب الراحل قراءه.. يتأملهم ويرى فيهم ذكرياته وخوفه.. يرى فيهم حزنه وفرحه وقد قرأهم جيداً في كثير من المواقف الحياتية التي أهلت فيه الكتابة والفكر وأفردت له الصفحات والمناسبات كي، يخط لهم ما خطه بقلمه وما جعلهم يعشقونه إلى حد الثمالة.

إنه العملاق الذي لا يتوقف مهما همد الحبر أو تنصلت الحياة عنه، يبقى متجسداً في الخيال قبل الواقع.. وهنا تكمن المفارقة بين اليقين واللايقين.

فالخيال المتوقع أو الخيال السحري تسميات مختلفة لكنها تصب في فضاء الإبداع الذي يترجمه إلى الواقع؛ ففي كتاباته كان همّ «ماركيز» اقتطاف شيء من الحياة ورصدها جيداً، ليبقى المعنى الكبير حين تُقرأ الحياة بلغة الخيال.

لقد ثابر جيداً على هذه المنهجية وبأكثر من لغة أدبية، وترى في إصداراته المختلفة التأصيل نفسه ومثلها العناوين: «ليالي الحب والرعب» و«مئة عام من العزلة» و«عيون الكلب الأزرق» إصدارات لا توحي بالخيال، وإنما تجسده منذ الوهلة الأولى. تختزله الروايات حين تتوهج الفكرة في الذات وتأخذ عمق الحقيقة. هكذا هي كتابات ماركيز وثوابته الحياتية وقيمة وبحثه فلا مفارقة تكمن في التضاد ما بين الخيال والواقع أو التقابل أو حتى التشابه أحياناً.

لغة الخيال هي نفســها لغة الواقع لـدى كاتب ينتمي إلى فصـول حياتية متعـددة وثقافات لا تحدّها حدود ولا لغات وبيئة تنتــمي إلى حياة غريبة ومؤثرات وتبعات وأيضاً تجويفات ولكن هو من صنعِ الحياة الاتينية نفسها ومن صنع ثقافة تراثها الإسباني فابتكرت روائياً جميلاً لم يكتف ماركيز بثقافة بعينها ولم يتجرد من ثقافته جانحاً نحو الروائي الأميركي «وليم فرنك» رائد الخيال السحري متأثراً بكتابته وما البسه تجربة فريدة ومختلفة عززت مكانته عالمياً.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف