• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

زهو التاريخ

تاريخ النشر: الخميس 17 أبريل 2014

إنها الفرجة المنتظرة من علو ألف قدم عن سطح الأرض، وسط سماء ملبدة بالغيوم، وماؤها النقي يهطل وتراه يمتزج بماء النهر بألوانه الداكنة.. أوَترانا اتخذنا قراراً صائباً في المثول أمام السماء بطائرة «عجوز» لا يقل عمرها عن خمسة وسبعين عاماً. لكن العمر الطويل يحمل تاريخها العريق، طائرة من طراز «انتوني ج يو» وهي من الطائرات الأقدم على وجه الأرض. الجميل أنها منحتني حب هذه المدينة: «همبورغ»، ليس لأنها عاصمة أوروبا الخضراء كما تُعرف وإنما لأنها ولدت بحضورها وثقافتها، وتجددت مرة إثر مرة، ومثلت بقدمها وتاريخها وحداثتها أمام ناظري.

الطائرة القديمة، تشبه المدينة، لا زالت تمتلك ثباتها وكيانها في عالم الصناعة بل وتمثل روح الصناعة الخلاقة، إنها مغامرة يحلو ارتيادها في زمن تقل فيه المغامرات.

قال المتحدث باسم الخطوط الجوية الألمانية «لوفتهانزا» إن الطائرة تحت الصيانة الدورية وأنهم يتلقون بشأنها المراسلات من المهتمين بهذا الصنف. وذكر في معرض حديثه عن الطائرة العريقة قصة جميلة تتلخص في أن أحدهم (إسبانياً) تواصل مع شركة الطيران من خلال البريد الإلكتروني، مؤكداً أن جده كان يمتلك واحدة من هذه الطائرات، وحين عدنا إلى الأرشيف وجدنا ذلك بالفعل. وتحدث قائد الطائرة بلباقة قائلاً: ليس هناك الكثير من عوامل السلامة المتبعة فقط تمتعوا بالطيران. ومثلت مضيفة واحدة جميلة فداعبتها قائلاً: أين قائمة الطعام على متن طائرتكم؟ فضحكت قائلة: استمتعوا بالهدوء لأنكم على موعد مع الضجيج بعد دقائق، وفعلا كأن الزمن القديم حضر فجأة من خلال باب الطائرة الضيقة وكراسيها التي تحمل نكهة الجلد القديم وقمرة القيادة الملتصقة بسائر المسافرين الذين لا يتعدى عددهم ستة عشر راكباً.

حلقت الطائرة بنا زهاء الساعة تلامحت فيها معالم «هامبورغ» ما بين الطبيعة الخلابة والهندسة المعمارية المتناسقة التي برزت من خلالها كتلة تتناسق حولها الحضارة، وتمتع الناظر إليها من هذا العلو بما تحمله من جمالية نابعة من أمكنتها المهمة، فيما يبدو شريات الممرات والشوارع وطرق القطارات مثل لوحة مرسومة بعناية. أما غاباتها الجميلة وأنهارها المتعرجة وموانئها التي ظهرت في المشهد من أعلى فأضفت عليها بعداً ثقافياً مميزاً. هذه المدينة التي تتسع لألف وأربعمئة عام من الحضارة والعراقة والقدم، وقد منحتنا هذه الطائرة حرية اللقاء بهذه المقومات الحياتية المفعمة بالثقافة الجميلة والطبيعة الخلابة التي هي جزء من التاريخ المتجسد أمام العيون سواء في المسارح أو دور السينما أو العبقرية الموسيقية التي تحتضن إبداعاتها في القاعة الموسيقية الشهيرة «الفيلهارموني».

من أعلى ترى كل شيء جميلاً. ترى دار الأوبرا التي تأسست عام 1678 م وترى كنائس تجددت عبر سنوات طوال ليصطفيها التراث العالمي، وترى سوق السمك الشهير بمناسبة الأحد المعروفة. ولا تفر بالذاكرة بعيداً وأنت على متن طائرة قديمة توحي لك بثقافة العصور المتواصلة وقامات لشعراء مروا من هنا ولم يكن مرورهم عابراً بل كتبوا كياناً ثقافياً رائعاً وقيماً لا زالت المدينة لا تنفصل عنها. إنها بالفعل رحلة إلى الحاضر في عربة الماضي.. هكذا يستشف من يسافر على متنها، وكأنه عاد أدراجه إلى سحر الماضي الجميل.

مع عودتنا قالت المضيفة: أهلاً بكم في عام 2014.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف