• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

طبيعة الحياة

تاريخ النشر: الخميس 10 أبريل 2014

قال لي أحد الأصدقاء إن صباح ميونيخ خصب وطري ونقي يشاغبه الهدوء، وكيف لا يبدو لزجاً وممهداً بفصول الشتاء، منعماً بخيال المروج، مزهواً بلغة المطر وانصهار الثلوج التي تأتي من صقيع السماء باردة مقدر لها أن تصافح زهور الحياة، وأن تغلف الجبال بالبياض؛ فلا يمكن للصباح أن يشذ بعيداً عن حالة الذوبان التي تسطر الروح بالمزج ما بين المدينة ونسيج من المدن تتشابه كخلية من البياض والسحر؛ فالمرء أمام تاريخ مبطن بذاكرة الحياة لا يمكن أن يتجاوز معالم هذه المدن البراقة.. فرغم الحروب التي مرت وهددت ودمرت القيم التاريخية إلا أنها مدن تنهض مع هدوء الصباح، ولم تعد تقيم لزمن العداء وزن.

لم لا ينهض الصباح جميل ومنفرد بالذات، مفعم بشعر ارثور رامبو قائلاً: «فوق موجة السكون الليلي وحيث تغفو النجوم تعوم الزنبقة البيضاء».. هذا الشعر الأوروبي يرادف الشعر الأصيل، يرادف الفجر في تجلي حكمة الحياة التي تنتصر للطبيعة الخلابة، وللغة الشعر.. يقول رامبو: «لقد باتت صحتي مهددة وراح الرعب يقترب. كنت اسقط في إغفاءات لعدة أيام. واكمل .. وقد استيقظت أكثر الأحلام كآبة .. كنت ناضجاً للموت وكان ضعفي يقودني على درب محفوف بالمخاطر».. فالطبيعة لا تتخلى عن الشعر وفي مكونها أريج الجمال الذي ينصهر في المروج وفي الورود.. وفي مكونها شمس تسطع تتقصى أعماق البحيرات الراكدات من أجل أن تفيض الروح تألقاً وتنسج أملاً وسعادة. يقول في هذا المضمار الشاعر شلير: «أيتها الفرحة/ يا شرارة الآلهة الجميلة/ يا بنت جنة المثوى». فمن الطبيعة ولد الصباح، وولد كل شيء جميل من أثر اللذة.

المسافة البعيدة لم تغيب شعراء مثل: رامبو أو الويز بوس بتران أو اندريه بروتون بل استخرجت من صباحاتهم حياة مفعمة بالأحلام لمن أراد أن يستمد منها ثقافة متصلة بتاريخ أعرق المدن وأغربها على مر التاريخ، لذا كانت المستخرجات الثقافية تتناغم مع الصحوة الحياتية ومع فلسفة الحقيقة؛ فمنها نحو الأفق من الحرية والامتثال إلى التعاون والوحدة مما يخلق أثراً إيجابياً على الحياة برمتها. إذن.. الصباح منحنا أن نعرج إلى طقوس مختلفة تستمد طاقتها من وريد البدء أو من خضم السر؛ فلا يمكن للشعر إلا أن يتقاسم هذا المردود من الطبيعة، وكذلك الحياة المعاصرة التي وجدت من الطبيعة كيانها الذي يربطها بالقيم ومنها الحرية والتقدم، ومن خلال هذه الأبعاد لا تجد حلقة مفقودة بل حروب الحقد انتهت إلى غير رجعة وحلت محلها ثقافة الوجود، وكأننا نمضي من صباحات إلى صباحات أخرى كفراشات تتنقل على نهر الحياة وتمد العالم من رحيق ورود... هكذا هي الصورة الأشمل وقمة صفو الحياة، وهنا يقول الشاعر اوجين كيفيك: «عندما يلتقي ضياء بضياء آخر نسمع تصاعد نشيد رسولي إلى أن يتقاطع مع إرثر شو بنهاور الذي سطر فلسفة وجودية خالدة».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف