• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

الحياة الثقافية

تاريخ النشر: الخميس 27 مارس 2014

بعد أن سقطت بعض المنابر الثقافية في الذاتية المفرطة، وصفق لها المثقف المتوهج بالخصوصية والملتهب بالعاطفية، بات المرء يخشى على الثقافة الحقيقية، من دون أن يفقد الأمل بأن الحياة الثقافية لا يضيرها قصور هنا أو هناك، أو تراجع صفوة الفكر عن التفاعل مع القضايا الثقافية أو حتى طرحها للنقاش، ذلك أن الخصوصية إذا ما استشرت لا هوادة فيها.. إنها مقصلة المنابر الثقافية التي لا يمكن لها أن تثمر أو أن تحدث تطوراً في مناهجها ومكونها طالما هي غارقة في الذاتية التي تؤثر بشكل كبير، وجليّ، على الأداء الثقافي وحركته باتجاه المستقبل، وتطلعه إلى الأفضل.

كم هو مؤثر تكديس الرؤى الثقافية القديمة وعدم استبدالها بالرؤى الحديثة. لا ينبغي للثقافة أينما وجدت أن لا تكون ريادية ومتجددة، فالثقافة خلقت للتأصل وللتجدد أيضاً، لذلك هناك تطلع دائم أو نزوع مستمر إلى ما ينبغي فعله من أجل التفاعل مع الحياة الثقافية. في السياق ذاته، يمكن التمثيل بالأندية الرياضية التي كانت في يوم ما ترفع الشعارات الثقافية، ولكنها عملت بإصرار على تأطير وتحييد المحتوى الثقافي وتجميده إلى أن تم إنهاؤه تماماً، وبالتالي كم خسرت الصروح الرياضية بتغييب الجانب الثقافي والمشاهد الفكرية التي كان بمكانها أن ترفد النشء بالحضور الثقافي الذي يتوازى والفكر الرياضي أو الثقافة الرياضية.. وبعد تحول الأندية الرياضية إلى شركات ربحية لم يعد من متسع للثقافة لكي تلعب أي دور أو تبلور ذاتها من جديد.. لقد انتهت إلى الأفول. مثال آخر يتضح في الأسواق الشعبية التقليدية، فبعد تحولها إلى أسواق عالمية «مولات» تم بناؤها على الطراز الحديث، وتحديداً على الطريقة الأميركية التي تدمج بين الثقافة والتسوق، وتأخذ فيها الثقافة شكلاً شعبياً حيث تحضر في الأسواق العصرية أو «المولات» ممثلة في المكتبات، وأرفف الكتب التي تحتل واجهات بعض المقاهي و«الكافيهات». لقد منحتنا الحالة الأميركية شيئاً من طريقتها في الحياة فلماذا لا نستفيد أيضاً من فكرتها أو فلسفتها الثقافية القائمة على وجود المكتبة في متناول الناس الذين بإمكانهم أن يقرأوا ويشربوا القهوة، أو يشتروا الكتب ويتصفحوا الصحف إلى جانب التسوق. وهي صورة من صور الجذب الثقافي والمثاقفة التي تتحقق من خلال أنشطة متنوعة تقام في «الكوفي شوب»، أو عرض الكتب في واجهات هي في الغالب ليست ثقافية إنما تحظى بإقبال من الجمهور. لم لا نحاول تطبيق هذه الفكرة في كل «مول» ونذهب بها بعيداً، لا سيما أن «المولات» تنتشر في كل مكان، ومن خلالها يمكن الوصول إلى كل فريج وحي.. لم تظل «مولاتنا» خالية من الكتب، تفتقر للمكتبات ما عدا قليلاً منها جهز على نمط ثقافي محدود ولا يتصف بالفاعلية المفعمة بالحياة الثقافية.. وإذا نظرنا إلى الحدائق العامة أيضاً، التي باتت لا تحتمل الأسوار والانغلاق على نفسها لربما جنبنا مرتاديها الجمود والوحدة، وتكللت الأزهار معطرة الجوانب التي تتفرع منها أماكن للقراءة، لتعويد الأطفال على ملامسة صفحات الكتاب حتى ولو على سبيل الترفيه، ففي هذا ما يغذي الخيال ويثري في شخصية الطفل سمة الإبداع ويجعلها تتشكل كنمط ثقافي يمكن تأصيله في الحياة اليومية.. أي تحقيق الانتشار الثقافي المتقن الذي يجاري الحياة اليومية، والذي ينبغي أن يتفاعل ومجرياتها المتجددة... وحتما هذا لا تقدمه مؤسسات ثقافية بعينها، بل مؤسسات رسمية ينبغي لها أن تنشد واقع الحياة وأن ترسم لنا معالمها ما بين حديثة وقديمة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف