• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

الخلوة المتوهجة

تاريخ النشر: الخميس 13 مارس 2014

من طقوس الكتابة الجنوح بعيداً عن السلوك اليومي المعتاد؛ فالفكرة أياً كانت تحتاج إلى هدوء وصفاء ذهن، كي ينعم بعدها المفكر أو الكاتب بالطمأنينة التي تورث تدفق الإبداع. هذه الخلوة الإبداعية كثيراً ما يحتاج إليها الكاتب، ويشعر بأنها وقت للبحث والتحري وزرع نسق حياة التأمل؛ فمن خلالها تنبع الكتابة وتسمو إلى النموذج الذي يطمئن إليه أو يغدو إلى الآخر الباحث عن نتاجات هامة ومؤثرة ولا يضيره بدؤها ومدها بتلك السرية بين الكاتب ونفسه. ولربما لا يعلم كثيرون حجم معاناة الكاتب مع الفكرة.

للخلوة لذتها؛ وحده الكاتب يعلم ويعي المعنى الحقيقي لها. وهي لا تعني الابتعاد الجسدي أو الانسحاب عن الناس جسدياً؛ فقد يكون الكاتب جالساً في مقهى فلا يشعر إلا بالفكرة تراوده بينما لا أحد سواه يعلم بأنها تداعب خياله وتشاغب مناله.

لكن الفكرة تتعذر على الحضور أحياناً أخرى، ومهما كانت الخلوة إلا أنها عن الرؤية تحتجب حتى تشتد معاناة الكاتب وانتظاره وتراه مجهداً ومستنفذاً من واقع الحياة ومن نفسه، لأن الأفكار بمثابة التجدد والتحدي، ولهذا يبحث الكاتب عنها من خلال التجديد؛ تجديد المكان والسفر إلى جهات أخرى يستوحي من رحلته إليها أفكاراً جديدة. فللمسارات نضجها ونظمها، وللمدن أن تختال برموزها من سياسيين وكتاب ومبدعين؛ فلكل رحلة تقاليد ثقافية تهبها المدن وكأن الثقافة تتحدث عن الثقافة، عن الحياة اليومية التي يسعى الكاتب إلى بلورتها في نهجه الروائي أو القصصي، وهو مبصر لكل خطوة ومتعمق في الحياة لأنها الصورة المثلى التي ينبثق منها الفكر. ولعلنا نضرب مثالاً بالكتاب الأميركيين المعاصرين، فغالبيتهم اتجهوا إلى الشرق، والى مدن بعينها، لزرع بذرة الكتابة في مدن هادئة بعيدة عن صخب المدن الكبيرة.. وبعض الكتاب العالميين لا زالت المدن تتحدث عنهم رغم غيابهم عن الحياة أمثال: جوتة الذي سكن في بيت يطل على نهر الراين ليكتب أجمل الروائع الأدبية، رغم أن مدينة مثل فرانكفورت تبدو جميلة في وقت تحفها الأشجار وتلامس شغافها هدوء الأنهار ولا زالت تحمل رائحة الكاتب الجميل، وهي مدينة مشبعة بتفاصيلها وبحياته اليومية.

ليس كل المدن ملاذاً للكاتب أو قادرة على تحريضه على الكتابة.. ثمة مدن بعينها لها من الألق ما لها.. يفد إليها الكتاب والأدباء والشعراء.. مدن لها طقوس حياتية مختلفة، ولها طقوس جغرافية خلابة ودافئة، تبحر بالفكرة المتناغمة والمسترسلة..

هل كان يمكن لآرنيست هيمنجواي أن يكتب رائعته «الشيخ والبحر» لولا تردده على هافانا في خليج كوبا، تلك الرواية التي أتحف بها العالم.. ولولا مدينة سخالين لما أبدع تشيخوف رسائله التي تميزت بأفضل ما كتب في حياته، وكذلك فعل لامارتين حين حمله الشعر من فرنسا إلى إيطاليا وكتب أول أعماله تأملات شعرية.. لكن الأهم بأن معظم الأدباء يعودون إلى الانطوائية في آخر العمر كما هو.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف