• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م
مقالات أخرى للكاتب

ترانيم مدن البياض

تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

هنا حيث البياض الناصع والثلج على وجوه المدن الخجلات، ما يثير تدثرها بشوق الأحلام، ما يخفق تلامسها واحتضانها لبعضها بحب أمام البياض، لتفصح وجوها عن حوارات أبدية، بما يلهمها عشقها المتجدد، لا تجزئه سوى حكايات الأسى الغامضة، بما يطربها من تحرر من تلك المعاناة المتربصة في خفايا العقبات، وبما تنشده المدن لذلك الصفاء، لتزخرف به أبجدية الروح، لتخلق فنتازيا تلامس ترانيم الزمن المتعب، اي حكايات تركتها على ملامح لا تنسى، اي قيود فككتها وكانت لا تفك من أثر الزمن على حلقاتها الحديدية، كأنها تبعات خلف التشرد تثير عاصفة التمزق، لتتوارى المدن خلف كيانها لتستر عورات مترامية الأطراف والسحر.

آيات الإشعاع الأولى تبدو نقية تسترسل مع خيوط الفجر بشفافية صادقة، ترى فيها رؤية عذبة المنبع، تشع وكأن الفجر يجلس على مملكة المدن، يقاسمها الصفاء المطلق ولمعان البهجة الأولى، هي إيذان للروح كي تتغلغل بالجسد الفضي، وهي إيضاح للحب كي يتجسد من خلال المدى، فجر المدن النائمة على فراش الثلج منذ الأزل، يقرأ الفجر الجميل أحلامها المخملية بشفافية النور.

ترى البرد طبع احمراره على أنوف البشر حتى بدأت تتورم أرنبتها، اما الخدود فقد امتصته حتى مسامات جلدها واختزلت فيها الجمود، وتشابهت والمدن ولم تعد مطاطية الملمس، واشتاقت الأجساد الى الخروج من طوق يكبلها، فليست كل الأجساد تعانق رياضة التزحلق من قمم جبال الثلج.

ترى من خلال إطلالة أولى بأن الأشجار لم تتخل عن عرسها ولا زالت ترتدي البياض، وثمار الثلج يلفه جمود هش، بدأت كهدايا مغلفة على أغصان جرداء، يتساقط على المارة فلا يحدث ربكة، بل يسيل كماء الزهر، تستلذ جداوله طريقها على الوجوه، كنكهة حب تشعرك بتأمل مدى الخيال، مدى الغابات الواقفة ليست كالأشجار وإنما كالأحلام، كأنها تعيد ذاكراتها وتتدارس حلمها.

وسط المدن يحرر الثلج النساء من طبيعتهن، ترى امرأة تقشع الثلج المتراكم وتضع حصانها على طريق الممرات، لتمارس هوايتها اليومية غير عابئة بالبرد ولا بالصحو المتجمد.

ترى المساءات الثلجية داكنة ومغيبة عن الوجود، مهيمنة بالغموض والهدوء وتصلب الحركة، لها اصوات بعيدة وعابرة ومتجلية بالوهم، اثار البشر تنقاطع وتتلاشى الى مخبئها، إلا خطوات ليلية لا تهدأ تماما تباشر حراكها، لا مخبأ لها بل مخبأها الليل والشوارع وزوايا واجهات المحلات، وسط ارتجافات الرجل الذي طالت لحيته وعبث البرد بوجهه، تمر امرأة من سلالة البرد و”الفاشن”، تربك حضوره بحذائها الأحمر الكاعب، ذات تقاسيم عازف يكسي جسدها بشفافية عارية على نمط الجمود.

تظل وجوه المدن هنا لتحتسي من البياض عذب الانتشاء، لتبحر في انتظار الصيف والقمر، لترسم انشطارها في فضاء يكسوه الجمال، يعبر بها الثلج نحو المطر، لتشرع نحو السحر، متيمة بالنهر المتدفق بالهدوء والرابض بالخلود، لتستنهض شغف طيورها نحو السماء، إنها مدن الطبيعة وطبيعة المدن الزاهية بالبياض في أيامه البكر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا