• الأربعاء 07 رمضان 1439هـ - 23 مايو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

الحرية أولاً

تاريخ النشر: الخميس 24 يناير 2013

‮«‬تريد أن تنشئ الذوق الفني المصفى في نفوس الشباب‮... ‬ليحبوا الجمال ويذوقوه،‮ ‬ثم لينشئوا الجمال ويبتكروه، ثم ليضيفوا إلى فنهم القديم فناً حديثاً،‮ ‬ثم ليشاركوا في تنمية هذا الترف الفني العالمي الذى‮ ‬يجعل الإنسان إنساناً،‮ ‬ويحببوا الحياة إلى النفوس،‮ ‬ويجعلوا الدنيا شيئاً ذا شأن على رغم ما‮ ‬يحيط بها من هذه الظروف البشعة التى تجعلها أهون على الرجل الكريم من جناح بعوضة،‮ ‬لولا أن فيها أشياء تتصل بالذوق فتجعل لها قيمة وشأنا‮ً.. ‬تريد أن تنشئ الذوق الفنى في نفوس الشباب،‮ ‬ليستقبلوا الحياة راغبين فيها،‮ ‬محبين لها،‮ ‬مؤمنين بها‮... ‬ليتجاوزوا الحياة إلى ما هو أرفع منها شأنا‮ً... ‬فهو أمر‮ ‬يسير كل اليسر،‮ ‬ولكن على ذلك عسير كل العسر‮... ‬وأي شيء أيسر وأقرب من أن تمنح الشباب ما‮ ‬ينبغى لهم من الحرية التى تتيح لهم أن‮ ‬يقبلوا،‮ ‬وأن‮ ‬يرفضوا،‮ ‬وأن‮ ‬يحبوا وأن‮ ‬يبغضوا‮... ‬حين‮ ‬يريدون هم لا حين‮ ‬يريد‮ ‬غيرهم‮. ‬حرِّر الشباب قبل كل شيء عن القيود،‮ ‬دعهم‮ ‬يفكروا كما‮ ‬يريدون،‮ ‬وأرشدهم بالقدوة الصالحة والأسوة الحسنة والنصح الرفيق‮. ‬وثق بأنك إن فعلت أعددت نفوسهم للذوق الفني الرفيع أحسن إعداد‮. ‬إنك لتعلم أن الفن حرية قبل كل شيء،‮ ‬حرية واسعة إلى أبعد‮ ‬غايات السعة‮... ‬إن الفن حرية لا رق،‮ ‬فإذا أردت من الشباب أن‮ ‬يذوقوا الفن ويحاولوه ويبتكروه،‮ ‬فاجعلهم أحراراً،‮ ‬لأن الفن أثر من آثار الأحرار لا من آثار العبيد‮».‬

هذه الكلمات السابقة هي كلمات طه حسين،‮ في مقال له بعنوان‮ «‬الحرية أولا‮» ‬من كتابه‮ «‬مرآة الضمير الحديث‮». ‬وقد تذكرت هذه الكلمات لأننا هذه الأيام نفتقد هذه الحرية لأسباب كثيرة عدّد طه حسين بعضها،‮ ‬منها التقليد الاجتماعى المكتسب الذي يلزم الشباب أن‮ ‬يعيش كما عاش من قبله ومن حوله،‮ ‬ومنها السلطان الذي شرع القوانين قاسية مرهقة مقيدة. ‬وما أكثر ما حارب طه حسين من أجل هذه الحرية ليتيح لنفسه أن‮ ‬يكتب كتابة الأحرار لا كتابة العبيد‮!. ولم‮ ‬يتردد في دفع الثمن الباهظ الذى كان عليه أن‮ ‬يدفعه من أجل ممارسة هذه الحرية‮. ‬‬

وظل طوال حياته‮ ‬يحارب لاكتساب هذه الحرية،‮ ‬وينتصر على أعدائها. طوال حياته التى لم تنطفئ فيها جذوة اللهب التي تتوهج بها الروح الحرة والعقل الثائر على كل القيود‮. ‬هكذا تحدى طه حسين العمى وانتصر عليه بالبصيرة التي جعلته‮ ‬يبصر ما لا‮ ‬يبصره المبصرون‮ ‬وتحدى الجهل بإصراره على مواصلة التعليم فى الأزهر،‮ ‬وتحدى مشايخ الأزهر الذين أرادوا سلبه الحرية التي انطوى على لهبها،‮ ‬ولم‮ ‬ييأس عندما أسقطه مشايخ الأزهر في امتحان العالمية،‮ ‬فترك لهم الأزهر بعبوديته،‮ ‬وذهب إلى الجامعة التي فتحت له من آفاق الحرية ما جعله‮ ‬يحصل على درجة الدكتوراه الأولى في العالم العربى‮. ‬لذلك أقام الدنيا ولم‮ ‬يقعدها عندما أصدر كتابه‮ «‬في الشعر الجاهلي‮». و‬حين فرضوا عليه مراجعة الكتاب نشره بعد عام بعنوان‮ «‬في الأدب الجاهلي‮» ‬مع تصديره بفصل تمهيدي عن ضرورة حرية البحث الأدبي‮. ‬وظل‮ ‬يعيش ويكتب بعقل حر،‮ ‬لا‮ ‬يتردد فى دخول المعارك مهما كان الثمن‮. ‬ولذلك لا‮ ‬غرابة في أن‮ ‬يكون أكثر أبناء جيله كتابة عن الحرية التي لابد أن تكون وإن كره الكارهون أو الخائفون منها‮.‬

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا