• الخميس 08 رمضان 1439هـ - 24 مايو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

معادلة صعبة

تاريخ النشر: الخميس 18 يوليو 2013

عندما فرغت من كتابة‮ «‬إضاءة‮» ‬الأسبوع الماضي،‮ ‬وجدتني أسأل نفسي‮: ‬ولكن بما تبرر حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل سنة‮ ‬1988،‮ ‬أو حصول أورهان باموق عليها في تركيا،‮ ‬وقبلهما ويل سونيكا في نيجيريا، وهي بلدان تنتسب إلى العالم الثالث في تخلفه،‮ ‬ومع ذلك حصل أبناؤها على جوائز نوبل في الإبداع،‮ ‬وهي بلدان لا‮ ‬يتمتع فيها الروائي مثل نجيب محفوظ وأورهان باموق بالحرية،‮ ‬وقس على ذلك نيجيريا التي‮ ‬ينتسب إليها سونيكا بمسرحياته التي عرفها العالم كله‮. ‬وكانت الإجابة جاهزة لولا تذكري بما قاله‮ ‬يوسف إدريس عن أن الحرية المتاحة في العالم العربي كله لا تكفي روائيا واحدا‮. ‬والحق أن جملة‮ ‬يوسف إدريس تبرر حصول عالم مثل أحمد زويل على جائزة نوبل؛ فأحمد زويل مواطن مصري في نهاية الأمر‮. ‬وهو منذ أن اتخذ قراره بالبقاء في الولايات المتحدة،‮ وهو ‬ينعم بحرية المواطن الأمريكي الذي‮ ‬يعمل بالبحث العلمي؛‮ ‬حيث كل الإمكانات متاحة،‮ ‬وسط مناخ‮ ‬يقوم على المنافسة الحرة،‮ ‬فيخرج من الباحث أفضل ما فيه،‮ ‬ويدفعه للانطلاق إلى آفاق لم‮ ‬يصل إليها‮ ‬غيره‮. ‬

ولم‮ ‬يكن ذلك شأن نجيب محفوظ ابن الطبقة الوسطى الذي عاش كل مشاكلها،‮ ‬وعانى من تحمل كل قيودها،‮ ‬ولكنه استطاع أن‮ ‬يغوص في أعمق أعماق هذه الطبقة،‮ ‬من خلال شخصيات متخيلة حقا،‮ ‬ولكنها فاتنة في مشاهدتها للواقع؛‮ ‬فحقق المعادلة الصعبة للأديب الذي‮ ‬يصل إلى العام من خلال الخاص،‮ ‬ويغوص في المحلي ليصل إلى جذره الإنساني‮. ‬وكانت عبقرية الروائي نجيب محفوظ المتفردة قادرة على أن تضيف إلى ذلك صفة أخرى‮. ‬وهي القدرة الإبداعية على إنطاق المسكوت عنه سياسيا ودينيا واجتماعيا،‮ ‬وذلك من خلال أقنعة التاريخ ومرايا الرموز والمجازات التي تقول ظاهرا‮ ‬غير ما تخفى باطنا‮. ‬ولذلك حقق نجيب محفوظ إبداعه الذي أوصله إلى نوبل،‮ ‬وعلى رأس هذا الإبداع‮ «‬أولاد حارتنا‮» ‬التي استحقت إشادة خاصة بها،‮ ‬في حيثيات حصوله على نوبل‮. ‬

ولنجيب محفوظ روايات أخرى تستخدم الأدب الشعبي أقنعة ومرايا،‮ ‬مثل ألف ليلة،‮ ‬وهناك رحلة ابن فطومة برمزيتها الإنسانية التي تنطق المسكوت عنه على مستويات عديدة‮. ‬وأعتقد أن الجسارة الإبداعية التي تصاحبها المخايلة الروائية هي بعض الإجابة التي تفسر تفرد نجيب محفوظ الذي وقف مواجها لمجتمعه،‮ ‬معريا كل سلبياته،‮ ‬مهاجما كل أشكال القبح فيه،‮ ‬بكل أدوات الفن وأسلحته المراوغة التي برع فيها أكثر من‮ ‬غيره‮. ‬والحق أن حالة نجيب محفوظ تقود إلى دلالة بالغة الخطورة‮. ‬وهي أن مبدعي الأدب عندما‮ ‬يصطدمون بمجتمع تسلطي ودولة استبدادية‮ ‬يجعلون من إبداعهم الأدبي إبداع مقاومة‮. ‬وليس الأمر كذلك في مجال العلوم التي‮ ‬يحتاج الإنجاز الاستثنائي فيها إلى بنية تحتية لا‮ ‬يمكن إتمامها إلا في مجتمع حر،‮ ‬يعرف معنى البحث العلمي وأهميته‮.‬

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا