• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

التلميذ المجتهد

تاريخ النشر: الخميس 16 يناير 2014

اكتشفت أنني أفرح كالأطفال بصدور كتاب جديد لي. كنت أتصور أن هذه الفرحة كانت مبررة أيام الشباب، ولكني بعد أن دخلت العام الجديد الذي أكمل فيه السبعين، فالأمر لافت للنظر، ويدفعني إلى شيء من التأمل، لقد جلست إلى مكتبي يوم الأربعاء الموافق الأول من يناير، وأخذت أستعد لكتابة ما أريد أن أكتبه، وبعد تناول الغداء، دق جرس الباب، ففتحته لأجد من يحمل لي مظروفاً كبيراً، فتحته فوجدت فيه نسخة من كتابي الجديد «للتنوير والدولة المدنية».

وجدتني أفرح بالكتاب فرحة الأطفال، وأدخل مكتبي، وأتصفح الكتاب كأني لست الذي كتبه، واستغرقت في التصفح الذي تحول إلى قراءة. والقراءة تحولت إلى أفعال تذكر بما مَرّ بمصر في أثناء مراجعة الكتاب، وما حدث من أحداث دفعتني إلى إضافة ما لم يكن في النص الأصلي، لقد أعطيت مخطوط الكتاب الأول لصديقي محمد رشاد صاحب الدار المصرية اللبنانية في شهر مارس 2013، وكان الرئيس المخلوع محمد مرسي لا يزال يحتل قصر الاتحادية، وبدأت تصلني بروڤات الكتاب الذي يضم المقالات التي كتبتها قبل وبعد سقوط مبارك، ومعها المقالات التي كتبتها منذ بداية حكم الإخوان وضده، متوقفاً عند ما حدث في زمن الرئيس مرسي، وتباطأ إعداد الكتاب للطباعة، ووصلنا إلى شهر أبريل الذي شهد بداية حركة «تمرد»، وبدأت الأحداث تتداعى إلى أن وصلنا إلى الخامس والعشرين من يونيو، فاضطررت إلى إضافة بعض الأسطر في الكتاب. وما إن وصلتني البروڤة كانت ثورة الثلاثين من يونيو قد أخذت تفرض حضورها، فقررت تغيير الخاتمة، ووضع ملاحظاتي عن أيام الثلاثين من يونيو والأول والسابع والعشرين من يوليو. وحمدت الله على انتهاء الكتاب بنهاية زمن غير جميل. ومضت إجراءات الطبع في مجراها المعتاد إلى أن انتهت قبيل العام الماضي. ولكن لم تصلني نسخة الكتاب مطبوعاً، إلا في أول هذا العام 2014 فوجدتني أفرح فرح الأطفال، وأستغرب نفسي، وأخذت أحدثها كأني أعاتبها: أما كبرت على هذا الفرح الطفولي، وقد اشتعل رأس صاحبك شيباً؟ ولكن يبدو أن نفسي لم يعجبها السؤال، فسمعت صوتها يتردد في داخلي قائلاً: وما الضير في ذلك. إن ظهور كتاب جديد لك يعنى أنك لا تزال قادراً على العطاء، وأنك لا تزال مصراً على حرفة الكتابة، ولا ترى ما يسعدك في حياتك سواها. وها أنت تنجز كتاباً جديداً، فما الذي يمنع أن تفرح حتى ولو اشتعل الرأس شيباً، ووهن العظم منك حقاً لا مجازاً، وتضاعفت آلام العمود الفقري لكثرة انحنائك على مكتبك.

إن صدور كتاب جديد، تتلقاه في مطلع العام الجديد معناه أنك لا تزال قادراً على التجديد والإضافة، وأن تجدد الحياة من حولك يجعلك تفكر فيما يمكن أن تقدمه جديداً؛ فأكمل ما عندك، وادفع به إلى الناشر، وتذكر ما كنت - ولا تزال- تحفظه من شعر ناظم حكمت: إن حياتك ليست مزحة/ فلتحيا حياتك جاداً كالسنجاب.

والحق أنني استمعت إلى نفسي هذه المرة، وارتحت لما قالت، فأنا لا أزال ذلك التلميذ المجتهد الذي كنته في محراب العلم، ولا أزال.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف