• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م
مقالات أخرى للكاتب

النقد التنويري

تاريخ النشر: الخميس 08 مايو 2014

الحق أن المسافة بين ما يسميه إدوارد سعيد «النقد المدني» وما أسميه «النقد التنويري» جد قصيرة، خصوصاً في الدائرة التي يتأسس بها النقد الأدبي على مبدأ المساءلة، ويواجه بها الناقد ثقافة التخلف بلوازمها القمعية المتخلفة في مجتمع متخلف أو بلوازمها القمعية المخادعة في مجتمع بالغ التقدم كالولايات المتحدة التي عاش ومات فيها إدوارد سعيد دون أن يكف عن مواجهة المؤسسات والنزعات المعادية لقيم الحرية والعدل والإنسانية والحلم بالمستقبل الواعد، سواء لدى الأفراد أو الجماعات أو الشعوب.

وأضيف إلى ذلك البعد المنهجي الذي يجعل الناقد لا يفارق الموضوعية في الممارسة النقدية، حتى لو كان العمل الإبداعي الذي ينقده يصدر عن رؤية عالم مغايرة أو حتى مناقضة لرؤية العالم التي ينطوي عليها الناقد. وهو الأمر الذي يجعل من النقد الأدبي علماً بالمعنى الموجود في العلوم الإنسانية. أعني ذلك المعنى الذي يجعل من ذات الباحث إلى حد ما، ومع شيء من الاحتراس، بعض موضوع البحث. ولا أزال أذكر حالة الإعجاب غير العادية التي شعرت بها عندما قرأت كتاب إدوارد سعيد «العالم والنص والناقد» للمرة الأولى في النصف الأول من الثمانينيات، وكنت وقتها أكتب دراستي عن «نقاد نجيب محفوظ»، وكلي ثقة أن بعض أفكار إدوارد سعيد عن ثلاثية العالم والنص والناقد قد تسربت إلى الدراسة، ولا يزال الكتاب نفسه موجوداً في مصادر الدراسة.

ويبدو أن مفهوم «النقد المدني» كان مسهماً بانغماسي في الكتابة عن العالم القائم أملاً في عالم أفضل ومستقبل أفضل، يحقق المزيد من إبداع النصوص المجسدة للحرية بكل معانيها، فقد كنت ولا أزال أحلم - مع صلاح عبد الصبور- بعالم يحمل إلينا النجوم الوضاءة على الكفين: الحرية والعدل. ولذلك شعرت بأهمية المقاومة بالكتابة عن نقائض الحرية والعدل التي تفرض لوازمها: العقلانية والنزعة الإنسانية والنظرة المستقبلية. هكذا ازدوج نشاط الناقد الذي انطوى عليه؛ فبدأت الكتابة من أجل التنوير والدولة المدنية في موازاة الكتابة عن نصوص الأدب ونصوص النقد في الوقت نفسه. ولم تكن الكتابة مزدوجة لا تلتقي على طول الخط، أو امتداد الممارسة التي شملت التورط في العمل الثقافي العام، وإنما كانت دائماً هناك نقاط للتجاوب والتماس والتداخل، سواء وأنا أكتب عن الإبداع المقاوم للتطرف الديني الذي انقلب انغلاقاً وتخلفاً وإرهاباً أو الإبداع المقاوم للتسلط السياسي والاجتماعي. أما نقاط الاتصال والتجاوب، فكانت تظهر في الكتابة عن «الرواية والاستنارة» أو الكتابة عن خصوصية وضع الناقد العربي وتحدياته النوعية التي لا يشاركه فيها غيره. وهكذا تحول النقد الأدبي إلى تنوير ودفاع عن الدولة المدنية، وتحول التنوير والدفاع عن الدولة المدنية إلى نقد أدبي لا يتباعد كثيراً عن معنى النقد المدني عند إدوارد سعيد.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف