• الخميس 02 ذي الحجة 1438هـ - 24 أغسطس 2017م
مقالات أخرى للكاتب

رواية السجن

تاريخ النشر: الخميس 08 مارس 2012

“رواية السجن” اصطلاح نطلقه على الروايات التي كتبها الروائيون عن هذا المكان الكئيب الذي يعامل الحراس فيه المساجين معاملة وحشية. وغالبا ما تكون دوافع الكتابة قرينة الحرص على تعرية الأنظمة الاستبدادية التي تبطش بالمثقفين المعارضين بإيداعهم في السجون لأوقات تقصر أو تطول. ومن الطبيعي أن يسترجع الكتاب تجاربهم القاسية لتعرية العنف الوحشي الذي وقع عليهم.

وأذكر أن أولى روايات السجن التي قرأتها عن هذه التجربة هي رواية صنع الله إبراهيم “تلك الرائحة”، وهي رواية عن سجين خرج من المعتقل بعد عقوبة قاربت خمس سنوات، رأى فيها من الأهوال الكثير، ولكنه اكتشف بعد أن خرج من السجن أن العالم خارج السجن هو نفسه سجن، تميزه الرائحة الكريهة التي كان يشمها داخل السجن، وذلك للدلالة على أنه لا فارق جذري بين السجن وخارجه، فالوطن الذي يقع تحت قبضة سلطة استبدادية هو وطن لا محل فيه للحرية، والعنف الذي يمارس فيه على المواطن يدفع إلى الذاكرة بنظيره الذي يقع داخل السجن. وقد تعمد صنع الله إبراهيم أن يكون السرد في هذه الرواية القصيرة جافا جهما تخلو لغته تماما من أي أثر للوجدان، ويعتمد هذا السرد على لغة خشنة، محايدة، لا تتردد في وصف قبح العالم الخارجي بدرجة الحياد نفسها التي تصف علاقة الآخرين بالآخرين الذين لا يثيرون في البطل أي نوع من العواطف. يستوي في ذلك اللغة التي تصف لقاء البطل بزوجة رفيقه الذي مات من التعذيب أو لقائه بأبيه بعد طول غياب، أو وصفه للبرك الآسنة التي تتركها المجاري في الطرقات، حين تفيض قاذوراتها على ما حولها.

ولذلك أخذ أغلب النقاد موقفا مضادا من هذه الرواية. وكان أكثرهم المرحوم يحيى حقي الذي تحدث في مقاله عن الاشمئزاز الذي شعر به وهو يقرأ بقايا الأثر الذي تركه البطل على أرضية الغرفة التي استأجرها بعد أن مارس العادة السرية. ولم يكن يحيى حقي وحده هو الذي أخذ موقفا سلبيا من هذه الرواية.

الوحيد الذي تحمس لهذه الرواية كان يوسف إدريس الذي رأى في الرواية كشفا جديدا عن عالم غير معتاد. ويبدو أن يوسف إدريس بحدسه الثاقب كان يرى أن رواية صنع الله إبراهيم هي رواية تتحقق فيها جمالية القبح، وما أعنيه بهذا المصطلح هو أن الإبداع ليس من الضروري أن يكون موضوعه الجميل دائما، لأن العالم ليس فيه الجميل فحسب وإنما فيه القبيح أيضا، تماما كما فيه الخير والشر. ولذلك فالمبدع الحقيقي هو الذي يرى الجمال حتى في القبح، ويستطيع أن يجعل من القبح موضوعا للإبداع، وأعتقد أن هذه الخاصية أصبحت تتكرر فيما جاء بعد ذلك من عالم السجن.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا