• الجمعة 07 جمادى الآخرة 1439هـ - 23 فبراير 2018م
مقالات أخرى للكاتب

تحولات الشعراء

تاريخ النشر: الخميس 21 فبراير 2013

هل من حق المبدع أن يحدث تغييرا في إبداعه القديم؟ وهل من حقه أن يقوم بتعديله؟ خذ موقف الشاعر مثالا على ذلك. لقد أصدر أدونيس ديوانه الأول «قالت الأرض» سنة 1954. وكانت قصيدة طويلة موزّعة على مقطوعات. ولا تخلو من تأثر واضح بأفكار الحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة وهو الذي اختار للشاعر اسم أدونيس من الميراث الفينيقى القديم. ولكن مع مضي الوقت، وصدور الحكم بإعدام أنطون سعادة، فضلا عن تحولات السياسة، أعاد أدونيس النظر في مقطوعات ديوانه، فحذف واستبقى وعدّل. وظهر الناتج في «قصائد أولى» الذي صدرت طبعته الأولى عن مجلة «شعر» سنة 1957، وذلك بعد أن هاجر من سوريا إلى لبنان هربا من النظام السوري. وكان أدونيس قد التحق بالخدمة العسكرية سنة 1954، وقضى منها سنة في السجن بلا محاكمة بسبب انتمائه للحزب القومي. وفي سنة 1956، التقى أدونيس بيوسف الخال فى بيروت وأصدرا مجلة «شعر».

وعندما ظهر ديوان «أوراق في الريح» كان يحمل ما بقي من الديوان الأول، حتى رغم التغييرات التي أجراها الشاعر عندما أصدر الطبعة الكاملة من دواوينه. قد تكون قسوة الظرف السياسي هي التي فرضت على أدونيس هذا التغيير الجذري الذي أحدثه في ديوان «قالت الأرض» الذي لم يعد حتى يذكر في أعمال أدونيس التي أصبحت تبدأ بديوان «قصائد أولى» فحسب.

هذا النوع من التغيير الذي فرض نفسه على أدونيس، لم يفرض نفسه على أحمد حجازي الذي تغيرت أفكاره السياسية تغيرا جذريا، فقد بدأ قوميا بعثيا، وكان عضوا في خلية بعثية في القاهرة مع المرحوم رجاء النقاش وآخرين. ولكنه سرعان ما تحوَّل إلى ناصري قومي مع حرب 1956 التي خرج منها عبد الناصر زعيم الأمة العربية كلها. وكتب أحمد حجازي قصائد في عبد الناصر وفي الاتحاد الاشتراكي لا تزال موجودة في دواوينه. ولكن، وهذا هو المهم، تحول موقفه بعد هزيمة 1967 التي أطاحت بعقول كثيرة.

وقد بدأ التحول في شعر حجازي بقصيدة «مرثية العمر الجميل» التي أعدها من روائعه. وفي هذه القصيدة يعلن صوت الشاعر القطيعة مع ما طلبه، والانطلاق صوب عالم جديد، وقد يجد فيه من يكون له إماما. وكان التحول الشعري موازيا لتحول فكري سياسي، فحجازي انقلب من النقيض إلى النقيض، لكنه على الرغم من ذلك لم يعد إلى قصائد الناصرية ويحذفها من أعماله الكاملة. ولا تزال هذه القصائد باقية كالعلامة على زمن جميل مضى.

أما السبب في اختلاف موقفي حجازي وأدونيس فهو الظروف السياسية لموطن كلا الشاعرين؛ حيث يتقابل العمل في النظام السياسي السوري مع التسامح النسبي الذي لا يزال قرين النظام السياسي المصري، خصوصا بعد وفاة عبد الناصر ومجيء السادات الذي مضى في الطريق المناقض لطريق عبد الناصر، وتبعه بغير إحسان نظام مبارك الذي انتهى بثورة 25 يناير التي قطعت من مسيرتها عامين قاسيين.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا