• الأربعاء 05 جمادى الآخرة 1439هـ - 21 فبراير 2018م
مقالات أخرى للكاتب

سيَر العظماء

تاريخ النشر: الخميس 31 يناير 2013

أميل إلى الأبحاث البينية، وأعني الأبحاث التي تصل بين دوائر مختلفة من المعارف والعلوم الإنسانية أو الاجتماعية أو العلمية التطبيقية. وفائدة هذا النوع من الدراسات متعددة؛ لأنها لا تقتصر على ما يمكن أن يحققه علم واحد ويضيفه إلى المعرفة البشرية، وإنما يضاعف هذا الأثر بأن يصل بين هذا العلم وذاك وغيره من العلوم التي يمكن أن تتجاوب معه في دائرة مشتركة. ولذلك استجبت فورا إلى الدعوة لمناقشة أطروحة دكتوراه تدخل في هذا المجال الخاص بالدراسة البينية. وكان موضوع الأطروحة عن الأثر الذي يمكن أن يحدثه نوع بعينه من الأدب فيما تسميه علوم التربية باسم التربية المستدامة أو التعليم الذاتي المستمر. ونحن نعرف في الأدب السيرة الذاتية بأنها نوع من الحكي الذي تحكيه الأنا عن نفسها مسترجعة تاريخها في لحظة من اللحظات الحادة أو الحاسمة، أعني لحظات التحول التي تقف عندها الأنا لكي تتأمل ما فات مستشرفة من خلالها ما هو آت.

وقد اختارت الطالبة المتخصصة في العلوم التربوية ثلاث سير ذاتية لثلاث من النساء اللائي قدن الحركة النسائية في مصر، خلال النصف الأول من القرن العشرين، باحثة عن الكيفية التي يمكن الاستفادة منها في هذه السير في عملية التعليم المستمر أو التربية المستدامة كما يقولون. وبالطبع كان نقاشي للطالبة ينصب على الجانب الأدبي؛ حيث من الضروري التمييز بين استخدام السيرة في القراءات الأدبية المحصنة؛ إذ لا يطالب الناقد الكاتب بأية شروط مسبقة أو قواعد مفروضة على حريته في الكتابة. ولكن الأمر يختلف بالطبع في اختيار السير التي سوف يستعان بها في عملية التربية المستدامة؛ فالأصل في الاستعانة هو تقديم القدوة الحسنة أو النموذج المثالي الذي ينبغي أن يحض الدارس أو الطالب على الإفادة منه طوال حياته. ولحسن الحظ كان هذا الشرط ينطبق على هدى شعراوي، وملك حفني ناصف، ونبوية موسى فيما يختص بالتربية المستدامة للمرأة أو تكوين الشابات المتطلعات إلى مستقبل أفضل. وقد أضفت إلى الطالبة أمثلة أخرى في المناقشة، منها مثلاً سيرة نيلسون مانديللا الذي قضى في سجون الحكومة العنصرية لجنوب إفريقيا أكثر من ربع قرن، وخرج من السجن لا لكي ينتقم، وإنما لكي يبشر بعهد جديد من التسامح حتى مع البيض الذين سجنوه طوال هذه المدة.

وقد خطر على بالي ما يحدث في مصر من حيث المستقبل، وسألت نفسي: تُرى هل سيمضي الحزب الحاكم في الاتجاه الذي مضى فيه مانديللا، وتقدم سيرته الذاتية نموذجاً للتربية التي توجه من تصل إليه إلى طريق التسامح والمشاركة التي هي نقيض المغالبة فيتحقق الازدهار والتقدم أم يحدث العكس؟!. والواقع أن ما يحدث في حياة الأمم يحدث في حياة الأفراد، وتتجسد أهمية الأدب بعامة والسيرة الأدبية بخاصة في هذا الجانب كما لو كانت تحقق الشعار النقدي القديم الذي يرى أن الأدب تربية وإمتاع في الوقت نفسه. وهذا هو بالضبط ما يحدث في السير الذاتية للعظماء؛ فهي تسهم في تعليمنا القيم التي ينبغي أن نتسلح بها لكي نكون صورة أخرى من العظماء الذين نقرأ عنهم سيرهم العامة أو نقرأ لهم سيرهم الذاتية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا