• الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ - 17 ديسمبر 2017م
مقالات أخرى للكاتب

الفراق

تاريخ النشر: الخميس 23 فبراير 2012

أناس كثر يعيشون بيننا، يخالطوننا، نتعامل معهم، نتحاور، نجلس، ونعمل معاً، يعيشون معنا بصمت وحب وإيمان، يعملون بصمت، لأنهم يعلمون أن العمل عبادة، وعطاء، وأيا كان هذا العمل، وما هو نوعه، وتصنيفه، وطبيعته، يؤدونه بنفس راضية، وهمة عالية، لأنهم يؤمنون بما يقومون به وما يبذلونه من جهد، وعطاء، معبرين عن انتمائهم وولائهم وحبهم للمكان الذي يعملون فيه، وينتمون إليه بقلوبهم ووجدانهم، فيعطونه كل جهدهم وعصارة فكرهم وحياتهم.

أمثال هؤلاء الجنود المجهولين عندما يتركون المكان تشعر بغيابهم، وتتألم لفراقهم، وتحزن لبعدهم، ولكن هذه هي الدنيا، لقاء وفراق، لاتدوم على حال، هؤلاء رغم غيابهم يعلموننا الكثير، فإنهم يتركون ذاكرة عطرة، وقيماً جميلة يتأملها كل من عرف هؤلاء المخلصين، الزاهدين في الدنيا الطامعين لما عند الله سبحانه وتعالى من عطاء لاينضب، وإن غابوا وتركوا المكان يبقون حاضرين بذكرهم وأفعالهم وحضورهم، وارتباطهم وتعلقهم وحب المكان لهم، وحبهم للمكان، وتعلق من في المكان بهم، وتعود الناس عليهم، وألفتهم وتسامحهم مع الآخر، ودخولهم القلوب دون استئذان.

نعم هناك أشخاص يتعلقون بالمكان، ويضحون جزءا منه، بل جزءا أساسيا منه، تحزن لفراقهم وتسعد لسعادتهم، بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو مكانهم، لأنهم يتركون بصمة في المكان، ولايفارقونه، وإن غادروه بأجسادهم.

الساعي عبدالمجيد هو أحد هؤلاء الذين كان يشع حركة وألفة ومحبة بين جميع العاملين بصالة التحرير، الى أن أصبح جزءا منا ومن عالمنا ومحيطنا، كان يطارد صفحات الرياضة الى أن تنتهي، ينقلها بيديه من قسم الى آخر، ولا تهدأ حركته إلا مع تحويل الملحق لقسم المونتاج، أحبه الجميع لطيبته، وحسن خلقه، وأمانته، وصدقة وقلبه الأبيض.

وقبل أشهر قليلة، اتخذ القرار الصعب بترك العمل في الصحيفة، وحاول من حاول إثناءه عن القرار، إلا أنه كان متمسكاً به بثقة لأبعد الحدود، ولم يترك لأحد مساومته ونقاشه، ولم يفتح باباً لإثنائه عن قراراه الصعب، ليودع الجميع بنفس راضية، وابتسامته المعهودة التي ودع بها صالة التحرير للمرة الأخيرة، داعين له بالتوفيق والنجاح.

لم يتوقع أحد أن الله أراد له الخير في إنهاء خدماته والعودة الى وطنه ليلتقي أسرته وأبناءه ووالده الكهل ويقضي أيامه الأخيرة بينهم بعد أن قضى جل حياته مغترباً بعيداً عنهم، حتى أولاده كانت زوجته من ترعاهم الى أن دخلوا الجامعة، فقضى شبابه وجل سنوات حياته، بل أجملها هنا بيننا، كان دائم الابتسامة، يبعث إليك الفرح والسرور، ويخفف ببساطته وفرحته الدائمة جزءاً من هموم المهنة ومشقتها، ليذهب وتبقى ذكراه باقية وإن رحل.

رحمك الله رحمة واسعة يا عبدالمجيد وأسكنك فسيح جناته.

محمد عيسى | m.eisa@alittihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا