• الخميس 28 شعبان 1438هـ - 25 مايو 2017م
مقالات أخرى للكاتب

الأسرة‎‮ ‬أمام‮ ‬مفترق‮ ‬طرق‮!‬

تاريخ النشر: الإثنين 27 يناير 2014

البصمة‎‮ ‬الشخصية‮ ‬للإنسان‮ ‬هي‮ ‬تلك‮ ‬المكونات‮ ‬الجينية‮ ‬التي‮ ‬يولد‮ ‬بها،‮ ‬والتي‮ ‬تكون‮ ‬مسؤولة‮ ‬عن‮ ‬سماته‮ ‬الذهنية‮ ‬والشخصية‮ ،‮ ‬وعن‮ ‬‬الكثير‮ ‬من‮ ‬توجهاته‮ ‬وحالات‮ ‬مزاجه،‮ ‬عن‮ ‬عناده‮ ‬وإصراره‮ ‬وميله‮ ‬للخير‮ ‬أو‮ ‬الجمال‮ ‬أو‮ ‬الشر‮،‮ ‬فقد‮ ‬نرى‮ ‬أخوين‮ ‬يولدان‮ ‬‬لنفس‮ ‬الأبوين‮ ‬ويتربيان‮ ‬في‮ ‬البيت‮ ‬نفسه‮ ‬و‮ بأنماط‮ ‬وظروف‮ ‬التربية ‬نفسها،‮ ‬إلا‮ ‬أنهما‮ ‬لا‮ ‬يتشابهان‮ ‬أبداً‮ ‬،‮ ‬فسلوكهما‮ ‬متناقض‮،‮ ‬وتوجهاتهما‮ ‬وقناعاتهما‮ ‬متباينة‮،‮ ‬البعض‮ ‬يرجع‮ ‬هذا‮ ‬الاختلاف‮ ‬‬‬للوراثة،‮ ‬والبعض‮ ‬يرجعه‮ ‬لعوامل‮ ‬قدرية‮ ‬على‮ ‬اعتبار‮ ‬أن‮ ‬كلاً‮ ‬منا‮ ‬مخلوق‮ ‬لقدر‮ ‬مختلف،‮ ‬وأنه‮ ‬ميسر‮ ‬لما‮ ‬خلق‮ ‬له‮ ‬بمميزات‮ ‬تجعله‮ ‬مؤهلاً‮ ‬وقادراً‮ ‬على‮ ‬تحمل‮ ‬أعباء‮ ‬ومسؤوليات‮ ‬ذلك‮ ‬القدر .

‏‎‮ ‬في‮ ‬التباينات‮ ‬السلوكية‮ ‬والأخلاقية‮ ‬والذهنية‮ ‬بين‮ ‬أبناء‮ ‬الأسرة‮ نفسها،‮ ‬يرى‮ ‬البعض‮ ‬أن‮ ‬الوالدين‮ ‬مهما‮ ‬اجتهدا‮ ‬‬في‮ ‬تربية‮ ‬أبنائهما‮ ‬بالمقاييس‮ ‬نفسها‮،‮ ‬وبالعدالة‮ ‬ذاتها،‮ ‬إلا‮ ‬‬أن‮ ‬اختلافاً‮ ‬ما‮ ‬يحدث‮ ‬في‮ ‬سلوكهما‮ ‬التربوي‮ ‬بين‮ ‬ابن‮ ‬وآخر،‮ ‬نتيجة‮ اختلافهما ‬في‮ ‬العمر‮ ‬والثقافة‮ ‬واتساع‮ ‬المعرفة‮ ‬وزيادة‮ ‬الخبرة‮ ‬والتأثر‮ ‬بطرق‮ ‬التربية‮ ‬الحديثة‮ ‬مثلا‮ ! ‬ففي‮ ‬الوقت‮ ‬الذي‮ ‬عومل‮ ‬الابن‮ ‬البكر‮ ‬بقسوة‮ ‬مثلا،‮ ‬جاءت‮ ‬الأساليب‮ ‬الحديثة‮ ‬لتضع‮ ‬حدا‮ ‬للصرامة‮ ‬والشدة‮ ‬في‮ ‬التربية‮ ،‮ ‬ما‮ ‬أنتج‮ ‬جيلا‮ ‬مختلفا‮ ‬بعض‮ ‬‬الشيء‮ ‬عن‮ ‬الجيل‮ ‬السابق‮ ،‮ ‬الأمر‮ ‬الذي‮ ‬أثار‮ ‬ولا‮ ‬يزال‮ ‬‬يثير‮ ‬جدلا‮ ‬بين‮ ‬التربويين‮ ‬وقطاعات‮ ‬مختلفة‮ ‬في‮ ‬المجتمع‮!‬

إضافة‎‮ ‬لكل‮ ‬تلك‮ ‬الأسباب‮ ‬والعوامل‮ ‬لا‮ ‬يمكننا‮ ‬أن‮ ‬ننسى‮ ‬الدور‮ ‬الذي‮ ‬تلعبه‮ ‬ظروف‮ ‬الحياة‮ ‬المحيطة‮ ‬من‮ ‬حيث‮ ‬اليسر‮ ‬والسهولة‮ ‬ووسائل‮ ‬اللهو‮ ‬والترفيه‮ ‬والبذخ‮ ‬مثلا‮،‮ ‬كذلك‮ ‬نوع‮ ‬الأصدقاء‮ ‬والمجموعات‮ ‬التي‮ ‬ينتمي‮ ‬إليها‮ ‬‬الأبناء،‮ ‬والمدارس‮ ‬التي‮ ‬يتعلمون‮ ‬فيها،‮ ‬والأساتذة‮ ‬التي‮ ‬يتلقون‮ ‬التعليم‮ ‬على‮ ‬أيديهم‮،‮ ‬وما‮ ‬تتضمنه‮ ‬البيئة‮ ‬خارج‮ ‬البيت‮ ‬من‮ ‬‬عوامل‮ ‬مختلفة‮ ‬كلها‮ ‬تؤثر‮ ‬في‮ ‬شخصية‮ ‬هؤلاء‮ ‬وتجعل‮ ‬فلانا‮ ‬يختلف‮ ‬عن‮ ‬فلان‮ ‬بشكل‮ ‬كامل‮ ‬حتى‮ ‬وإن‮ ‬كان‮ ‬شقيقه‮ ‬أوحتى‮ ‬توأمه‮!‬

يلعب‎‮ ‬الآباء‮ ‬دوراً‮ ‬مؤثرا‮ً ‬في‮ ‬تقويم‮ ‬السلوك‮ ‬والحد‮ ‬من‮ ‬تمادي‮ ‬أبنائهم‮ ‬في‮ ‬اتباع‮ ‬تيار‮ ‬معين‮ ‬قد‮ ‬يكون‮ ‬مدمراً‮ ‬أو‮ ‬غير‮ ‬متسق‮ ‬مع‮ ‬منظومة‮ ‬القيم‮ ‬التي‮ ‬تحكمنا‮ ‬كمجتمعات‮ ‬مسلمة‮ ‬ومحافظة‮ ،‮ ‬لقد‮ ‬لاحظت‮ ‬كثير‮ ‬من‮ ‬الأسر‮ ‬ملامح‮ ‬انحرافات‮ ‬سلوكية‮ ‬‬على‮ ‬أبنائها‮ ‬نتيجة‮ ‬العلاقة‮ ‬ببعض‮ ‬الأصدقاء‮ ‬وزملاء‮ ‬الدراسة‮ ‬وإدمان‮ ‬مواقع‮ ‬التواصل‮،‮ ‬كما‮ ‬لاحظت‮ ‬لدى‮ ‬بعضهم‮ ‬ميلاً‮ ‬للسير‮ ‬في‮ ‬‬طرق‮ ‬مريبة‮ ‬بعضها‮ ‬ينذر‮ ‬بخطر‮ ‬حقيقي،‮ ‬فتصدت‮ ‬لذلك‮ ‬بمسؤولية،‮ ‬وبكثير‮ ‬من‮ ‬الحكمة‮ ‬والحزم‮ ‬والمصارحة‮ ‬والمتابعة‮ ‬أمكن‮ ‬معالجة‮ ‬تلك‮ ‬التوجهات‮ ‬وإعادة‮ ‬الأبناء‮ ‬إلى‮ ‬جادة‮ ‬الصواب‮ ،‮ ‬تلك‮ ‬وظيفة‮ ‬الأسرة‮ ‬‬الأساسية‮ ‬قبل‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬وظيفتها‮ ‬مجرد‮ ‬توفير‮ ‬الحاجيات‮ ‬وتلبية‮ ‬كل‮ ‬المتطلبات‮ ‬دون‮ ‬تردد.

في‎‮ ‬الوقت‮ ‬نفسه‮ ‬فإن‮ ‬أسرا‮ً ‬أخرى‮ ‬واجهت‮ ‬تلك‮ ‬الظواهر‮ ‬والمظاهر‮ ‬المريبة‮ ‬التي‮ ‬ظهرت‮ ‬على‮ ‬الأبناء‮ ‬بتراخ‮ ‬ولا‮ ‬مبالاة‮ ‬وبتشجيع‮ ‬أحيانا‮ ‬للأسف‮ ‬الشديد‮ ‬باعتقادهم‮ ‬أن‮ ‬ذلك‮ ‬مؤشر‮ ‬أو‮ ‬علامة‮ ‬من‮ ‬علامات‮ ‬التمدن‮ ‬والتحضر‮ ‬والرقي،‮ ‬أو‮ ‬تحت‮ ‬ذريعة‮ ‬أن‮ ‬هؤلاء‮ ‬الأبناء‮ ‬صغار‮ ‬ولا‮ ‬يفهمون‮،‮ ‬وأنهم‮ ‬سيكبرون‮ ‬‬وسيتراجعون‮ ‬عن‮ ‬كل‮ أخطائهم‮ ‬من‮ ‬تلقاء‮ ‬أنفسهم‮ ،‮ ‬بمعنى‮ ‬أن‮ ‬‬‬هذه‮ ‬الأسر‮ ‬تراهن‮ ‬على‮ ‬عامل‮ ‬العمر‮ ‬والزمن‮ ‬والتقويم‮ ‬الذاتي‮ ،‮ ‬‬متخلية‮ ‬بذلك‮ ‬عن‮ ‬مهمتها‮ ‬التربوية‮ ‬الأساسية‮ ‬في‮ ‬التوجيه‮ ‬والإرشاد‮ ‬.

الحقيقة‎‮ ‬أن‮ ‬الرفق‮ ‬منهج‮ ‬ديني‮ ‬رائع،‮ ‬والشدة‮ ‬المرادفة‮ ‬للقسوة‮ ‬لا‮ ‬تأتي‮ ‬بنتيجة،‮ ‬لكن‮ ‬الأسرة‮ ‬ما‮ ‬جعلت‮ ‬عبثا،‮ ‬وأول‮ ‬مهامها‮ ‬الرقابة‮ ‬السلوكية‮ ‬والأخلاقية‮، ‬خاصة‮ ‬ونحن‮ ‬نعيش‮ ‬في‮ ‬زمن‮ ‬يندس‮ ‬الفساد‮ ‬والانحراف‮ ‬مع‮ ‬الصغار‮ ‬ويرافقهم‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬خطواتهم‮ ‬وحيثما‮ ‬تلفتوا،‮ ‬لذا‮ ‬فإن‮ ‬على‮ ‬الآباء‮ ‬مهمة‮ ‬ثقيلة‮ ‬لا‮ ‬يجوز‮ ‬التخلي‮ ‬عنها‮ ‬تحت‮ ‬أي‮ ‬مبرر.

ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا