• الأحد 02 جمادى الآخرة 1439هـ - 18 فبراير 2018م
مقالات أخرى للكاتب

أسطورة البحث عن السعادة

تاريخ النشر: الجمعة 19 يوليو 2013

«السعادة تكمن في الداخل وتتمحور حول الذات سواء كانت ذاتك أو ذات أي شخص آخر ..» هذا ما ظل العالم يردده زمنا طويلاً ، إلى أن اتضح العكس بالرغم من أهمية السلام والصفاء الذاتي في تحقيق هذه الدرجة أو تلك من السعادة، فالإنسان المعدم الذي لا يجد ما يسد به جوعه أو يستر عريه أو يحقق احتياجاته لا يمكن لأحد أن يطالبه بأن يكون سعيداً حتى تحت شعار الرضا بقضاء الله، والإنسان المنبوذ أوغير القادر على إقامة علاقات صداقة ومحبة وارتباطات إنسانية مستقرة لا يمكنه أيضاً أن يدعي السعادة، لقد كشف علماء الاجتماع الذين يدرسون محددات السعادة ويسعون إلى وصفها أن العوامل الخارجية مثل طبيعة الحكم، والعلاقات الاجتماعية، وإلى حد ما المال تلعب دوراً كبيراً في تحقيق السعادة أكثر من أي شيء آخر.
بعد هذا الكشف أو هذا الربط بين العوامل الخارجية ومستوى سعادة الناس سرت قناعة مفادها أن الشعوب التي اختارت شكل الحكم الديمقراطي هي في الحقيقة أكثر سعادة من تلك التي تخضع لأنظمة ديكتاتورية وتمتاز دولها بالاضطرابات، إلا أن خريطة السعادة التي وضعها أساتذة جامعة ليكستر البريطانية أسقطت هذه الفرضية، فالخريطة الملونة للكرة الأرضية والتي تشير بألوان معينة إلى أكثر المناطق الجغرافية سعادة لم تقل أن الولايات المتحدة الدولة العظمى والأقوى اقتصاديا وسياسيا والديمقراطية بامتياز هي الأكثر سعادة ، بل - وياللغرابة - أظهرت تلك الخريطة أن دول أميركا اللاتينية ( المضطربة والفقيرة ) هي الأكثر سعادة ! إذن فهناك سر في السعادة العامة لم يتوصل له أصحاب خريطة السعادة !
إنها الثقافة المجتمعية القائمة على العلاقات الاجتماعية والأسرية المترابطة والقوية جدا ، ولقد وجدت أن بعض الأسر بالرغم من أنها عانت كغيرها من تأثيرات تبدلات المدينة وتغيرات الحياة الاجتماعية والسلوكيات العامة في الإمارات، إلا أن شعورها بالسعادة والرضا كبير جداً ، وفي كل مرة أبحث فيها عن السبب أجد أن احتفاظ تلك الأسر بعلاقاتها الاجتماعية في حالة من الترابط والاستمرارية قد باعد بينها وبين أشكال مختلفة من الحالات النفسية التي وقع فيها الكثير من كبار السن بسبب العزلة والشعور بالغربة وتقلص حجم وأشكال التعبير الإنساني لعلاقات القرابة والجيرة والصداقة !
إن الأسر التي نزحت جماعياً من أحيائها القديمة إلى الأحياء الجديدة في مدن الدولة ضمن رحلة تبدل المدينة منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، هذه الأسر قد تمكنت بهذه الجماعية من صيانة بناءاتها الاجتماعية أولاً، وعلاقاتها الإنسانية ثانيا ، بحيث حفظت لها هذه العلاقات نوعا من التوازن والشعور بالانتماء للجماعة وأيضا الشعور بالتقدير والتقييم والأهمية، إن هذه الأسر أو التجمعات الإنسانية التقليدية في حقيقتها، قد حصنت نفسيات أفرادها وبخاصة كبار السن ضد حالات الوحدة والاكتئاب والحزن والصمت والرفض بتفعيل هذه العلاقات والحفاظ عليها، وبالتالي يمكننا التأكيد على أن العلاقات الاجتماعية المترابطة تشكل عاملاً مؤثراً على الصحة النفسية والصحة العامة أيضا وتاليا على تحقيق السعادة !
تقول الإحصاءات إن حوالي أربعين مليون أميركي تقريبا يقدمون على تغيير مقرات إقامتهم كل سنة والذهاب إلى أماكن أخرى سعياً وراء الأفضل والأقرب إلى السعادة ، رغم أنهم يقطنون في أفضل المنازل وأغلاها ثمنا وتوافرا على وسائل الراحة، ويبدو أن التكنولوجيا الحديثة بكل ترسانتها المتطورة بدلاً من أن تروي عطشهم وتقنعهم بالبقاء والاستقرار، ساهمت في تأجيج التوق نحو النزوح والبحث عن الأفضل .. البحث عن السعادة.

ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا