• الاثنين 10 جمادى الآخرة 1439هـ - 26 فبراير 2018م
مقالات أخرى للكاتب

تضيق العبارة .. فتتسع الرؤية

تاريخ النشر: السبت 12 يناير 2013

لا يغضب من نفسه أي كاتب يرى أنه قد تغير في طروحاته لبعض المواضيع التي يكتبها أو في نظرته لبعض القضايا التي يتعاطى معها، فذلك مع كونه أمراً ليس بحاجة للتبرير - حسب رأيي - إلا أنه بالنسبة للكاتب تحديداً، يعتبر سلوكاً طبيعياً، لقد قرأت يوماً للكاتب كارلوس ليسكانو كلاماً يفسر هذه الحالة بمنتهى البساطة، يقول ليسكانو في كتاب رائع بعنوان “الكاتب والآخر”: (ثمة صعوبة في أن أكتب - أكثر مما كان عليه الأمر قبل عشرين عاماً - بلا اندفاع أو رغبة ودون البراءة التي كنت أكتب بها فيما مضى أو دون الإيمان والعنف اللذين كانا يحركانني سابقا ....)، وكارلوس ليسكانو ليس كاتباً صحفياً مغموراً، ولكنه أحد أبرز أدباء اورجواي المعاصرين، يكتب الرواية والمسرح، وقد قدمت نصوصه على مسارح بلاده والسويد وفرنسا وكندا وإسبانيا والولايات المتحدة، كما ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات.
سألني قارئ ذات يوم، أنت لا تكتبين كما السابق بذاك الاندفاع والحماس اللذين كانا، تذكرت كلام ليسكانو تماماً وقلت للقارئ أنت كما ترى أنني لست الشخص ذاته الذي كنته قبل خمسة عشر عاماً، لقد تدفقت مياه كثيرة تحت الجسور، وتغير كل شيء، نحن كبشر نتغير كما تتغير الحياة حولنا، نكبر، نعرف أكثر، نعبر حيوات وطرقاً وسبلاً مختلفة، تحط بنا الحياة في محطات بلا حصر ونتعرف إلى كثيرين ممن ينيرون لنا طرقات أخرى ويفتحون لنا أبواباً ما كنا سنفتحها يوماً، الذين لا يتغيرون هم الذين لا يغادرون محطات الانتظار، وهم الذين لا يرون ولا يزدادون معرفة وعلماً فـ “اللهم زدني علماً”!
أتذكر الحماس والاندفاع والشغف نحو الكتابة والصحافة التي كانت، تلك ثلاثية البداية في كل عمل وتلك وقود النجاح في البدايات، لكن تلك الثلاثية لا تكفي أولاً، ولا تضمن البقاء لصاحب مهنة إن لم يزدد علماً ومعرفة كل يوم فلن يستمر طويلاً، رحلة الكاتب طويلة جداً، تشبه الملحمة الإغريقية التي لا تعرف النهاية السهلة أو المسارات الساذجة والبسيطة، رحلة تحتاج إلى وقود ضخم وكثير ومكلف، فبينما أغلبهم يعمل بعضلة الذراع، يعمل الكاتب بعضلة القلب وحدها وبخلايا الروح، منهما ينهل وبهما يستمر، ولهذا يسقط منهكاً جداً في آخر المطاف، إنه يتغذى من روحه ليمنحنا هذا الغذاء الغني بكل شيء، فكيف نطالبه أن يبقى صنماً مغروساً في الفضاء كرخام لا يتغير ؟!
أتذكر اليوم وأنا أعبر هضاب الذاكرة وأسير بتعب القلب في مسارات الذي كان منذ سنوات، كم من البلاد زرت منذ بدأت أكتب، كم مرة حزمت حقائبي وكم مرة فككتها، عدد المطارات التي عبرتها، حاملة دهشة اللقاء الأول وشعور المتعة بمعرفة أمكنة ما كانت تخطر على البال، عدد سائقي سيارات الأجرة الذين أقلوني إلى فنادق نسيت أسماءها، وشوارع ما عدت أتذكر عناوينها، عدد الساحات التي مشيت إليها والأسواق التي مشيت فيها، والمكتبات التي زرتها والكتب التي اقتنيتها والبحار والأنهار والسفن التي ركبتها، والجبال التي وصلت إلى أعلاها بسيارتي أو بصحبة أعزة لا زالوا في البال، وتلك المقاهي التي قدمت لي ألذ مشروباتها في بلاد بلا عدد، وتلك المطاعم والأكشاك التي توقفت عندها والتذكارات التي اقتنيتها، بعد كل ذلك أيعقل أن نظل كما نحن، ألن تضيق بعد كل هذا عباراتنا واندفاعاتنا لتتسع رؤانا ونظرتنا، تلك هي الحياة كما نعيشها جميعاً!



ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا