• السبت 09 شوال 1439هـ - 23 يونيو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

حين لا نختار أنفسنا!

تاريخ النشر: الثلاثاء 08 يناير 2013

أزمة العلاقات الإنسانية في مجتمعاتنا المعاصرة، هي أزمة الإنسان في علاقته بنفسه، وبقراره وبمحيطه وخياراته، وأخيراً علاقته بالآخر، الآخر من حيث هو شخص خارج ذاته، وليس الآخر المختلف عنه في الثقافة أو الهوية بحسب مدلول كلمة الآخر في الأدب. فالرجل حين يعيش أزمة جفاء وخلاف دائم مع زوجته لأنه تزوجها بناء على اختيار الآخرين، أو بناء على اندفاع عاطفي غير مدروس، وكذلك الزوجة التي لا تتمكن برغم كل المحاولات من التفاهم مع زوجها، وبناء نظام عائلي ناجح قائم على التفاهم لا التضارب، فإن كليهما يعيشان أزمة علاقة إنسانية برغم محاولاتهما اليائسة لإخفاء آثار الدمار الواضح في العلاقة الزوجية!
في حياتنا المعاصرة، يعيش عدد كبير من أبنائنا أزمة ثقة أو عاطفة أو فهم في علاقتهم الإنسانية بالمحيطين بهم، وبأنفسهم وبالآخر، الذي هو الجنس الآخر المفروض عليه احترامه أو التعامل معه دون سابق معرفة أو مخالطة. الشاب والفتاة في مجتمعاتنا يعانيان أزمة حقيقية في معرفتهما ببعضهم بعضاً، المعرفة التي تنتج الفهم وتقود للوعي والإحاطة بهذا الآخر الذي يقال عنه إنه جاء من عالم آخر، ومن كوكب آخر، ومن تكوين وبيولوجيا مختلفة، كما شرح لنا الأمر الطبيب النفسي الأميركي جون جراي في كتابه ذائع الصيت (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) !
ذات صباح كنت أقضي إجازة صيفية خارج الإمارات، خرجت باكراً من الفندق لأتعرف على المدينة، وأستمتع بتلك الخضرة البهية، اشتريت بعض الصحف العربية، وقررت الجلوس في مقهى بدا خالياً من الزبائن وهو يتكئ على جدار الكنيسة القديمة التي يتجاوز تاريخ بنائها أكثر من 700 عام، لفت نظري وجود زوجين يدفعان عربة طفل ويذرعان المكان جيئة وذهاباً صامتين وكأنهما يتحاشيان شيئاً ما، جلست وبدأت أقلب الصحف بعد أن طلبت فنجاناً من القهوة، بعد لحظات جاء الرجل وزوجته وجلسا على بعد عدة طاولات مني، وكأنهما كانا ينتظران جلوس أي شخص في المقهى، هكذا استنتجت !
قدما طلباتهما للنادلة واستمرا في الصمت، واستمريت في قراءة الصحيفة ومراقبتهما، انشغلت المرأة بملاعبة الصغير، وانشغل الزوج بالحديث في الهاتف، ثم قام إلى (كشك) قريب واشترى صحيفة وعاد لينشغل بقراءتها، لم يتبادلا كلمة واحدة، كان واضحاً أنهما في عمق أزمة حقيقية، حزنت لأجلهما فقد كانا شابين في مقتبل العمر، وآثار الثراء واضحة عليهما، ألا يعرفان حقاً اية طريقة لكسر هذا الجليد المتراكم بينهما ؟ أم أنهما لا يريدان ذلك ؟ شغلتني هذه الحكاية طويلاً وصار يسعدني منظر اي رجل يمشي مرحاً مع زوجته يملآن الطريق صخبا وضحكاً!
حينما لا نختار حياتنا، أصدقاءنا، مستقبلنا، بيتنا، دراستنا، نوع وطريقة ثيابنا، شريك حياتنا، البلاد التي نقضي فيها عطلنا وإجازاتنا، الجامعة التي ندرس فيها، الوظيفة التي ستلازم حياتنا، أسماء أبنائنا، وأشياء كثيرة جدا تشكلنا في نهاية الأمر، كما تصوغ شخصياتنا ومزاجنا وتعاملنا مع الآخر، ومع المواقف والظروف، حينما لا يكون لنا يد في اختيارها وإقرارها، فإننا نعيش أزمة علاقة حقيقية مع أنفسنا أولاً دون أن يراها أحد أو نحس بها نحن، لكنها تتراكم مع الأيام كجبل جليد قادر على إغراق التايتانك المهولة في لمح البصر، فيما بعد تفرز هذه الأزمة الخطيرة أزمات متتالية ومتلاحقة، كأزمة الخلاف الحاد والصمت القاتل وأزمة البحث عن متنفس خارج البيت وأزمة البوح لغير الوالدين وأزمة العلاقات خارج مؤسسة الزواج و....


ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا