• الاثنين 29 ذي القعدة 1438هـ - 21 أغسطس 2017م
مقالات أخرى للكاتب

تفاصيل صغيرة

تاريخ النشر: السبت 03 مارس 2012

في هذا الصباح صحوت بعد أن كانت أمي قد اشتغلت في حديقتها، وشربت قهوتها باكراً وصرخت على خادمتيها كثيراً لأنهما لا تفهمان ما تطلبه منهما، غالباً ما تبادرني حين تراني في الصباح وأسألها: أمي ما هذا الصراخ؟ فتجيب تلك الإجابة المتوقعة: إنهما لا تفهمان ما أقول، تعلم أمي جيداً أن عدم فهمهما لطلباتها مرده عدم معرفتهما العربية، وأنهما تحتاجان الكثير من الصبر، هي تعرف كل ذلك فقد مر عليها تاريخ من الخدم، لكنها تعبت على ما يبدو، ولا تريد أن تدخل مجدداً في دوامات التعليم، وألف باء التدريب، لطالما تساءلت متى ستكون لدي فتاة أعلمها واعتمد عليها وتظل معي؟ ما فائدة هذا التعليم ووجع القلب الذي نعيده ونعاوده كلما رحلت شغالة وجاءت أخرى؟
مع ذلك فهي شديدة الرأفة بهما وبكل الفتيات اللواتي مررن على هذا البيت، لقد ظلت تقول لنا إن الرأفة بهؤلاء من تعاليم ديننا الذي أوصى بالمستضعفين، لذلك لا ترضى لأحد منا أن يعاملهما بقسوة، تقول عن هاتين اللتين تعاونانها حاليا إنهما كأبنائها لأنهما تساعدانها طوال اليوم دون تذمر، منقطعتين عن ذويهما، جاءتا سعياً لطلب الرزق لهما ولابنائهما وأسرتيهما، ثم أنهما غريبتان والغربة ضعف وعلينا أن نحترم غربتهما لا أن نستغلها!
أول شيء فعلته هذا الصباح أنني بحثت عن كتاب مذكرات إيزابيل الليندي “حصيلة الأيام” الذي تروي فيه شيئاً من سيرتها وتفاصيلها وحياة أسرتها، كنت قد اشتريته من مكتبة أنطوان في شارع الحمرا في آخر زيارة لي لبيروت، وجدته أخيرا بين ركام مجموعة من الكتب حملته وجهاز الكمبيوتر إلى الحديقة.
الحي يغط في صمته، ورائحة الصيف تقترب لكن بهاء حديقة والدتي أنساني ذلك الإحساس بارتفاع الحرارة، فغالباً ما أجدها كغابة استوائية يمكنك أن تلاحظ فيها أنواعاً مختلفة من النباتات الجميلة والغريبة، العصافير تتخذ من الأشجار الكثيفة مقراً لجوقة غنائية كلما تنفس الصباح، استغرقني التأمل فعدلت عن فكرة كتابة مقال كانت فكرته تسيطر علي، قلت لنفسي لن أكتب اليوم شيئاً عن المرأة أو الطفل أو الثقافة أو تجليات الماضي، سأكتفي بكتابة هذه التفاصيل الصغيرة المتاحة بين يدي وأنا أرقبها عبر مكاني الظليل، تحت هذه الشجرة الضخمة التي زرعتها أمي هنا عندما انتقلنا إلى هذا المنزل منذ سنوات .
أردت أن أكتب بعض التفاصيل الخاصة بعائلتي، وجدت ذلك أمراً ممتعاً لكن صديقتي التي اتصلت بي في تلك اللحظة نبهتني إلى أننا شعوب لا تتقبل اعترافات الواقع حين يتعلق الأمر بحياتنا الخاصة، وجدتها محقة فعدلت عن الفكرة، وتذكرت ما ذكرته إيزابيل الليندي في “حصيلة الأيام” من أنها حين نشرت روايتها الأولى تضايق منها عدد من أفراد أسرتها لأنهم اعتبروها خانت الأسرار حين كتبت أسرار العائلة واتخذت من أفرادها أبطالاً لرواية تحولت إلى فيلم سينمائي فيما بعد.
تقول إيزابيل الليندي تعليقا على موقف أقاربها: لم أتصور قط أن بعض الأشخاص في عائلتي سيأخذون تلك الأمور في الرواية بحذافيرها مع أنني تحايلت على الواقع كثيرا وغيرت في الكثير من التفاصيل، لقد امتنع أولئك الأقارب عن التحدث معي، وصاروا يتجنبونني طوال سنوات، وحين تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي كنت مقتنعة أن الفيلم سيكون أشبه بذر الملح على الجرح لكن ما حدث هو العكس، فسلطة السينما مفحمة إلى حد الذي تحول فيه الفيلم إلى تاريخ رسمي لأسرتي، كما حلت صورة البطلة ميريل ستريب محل صورة جدتي، وصالحني الجميع.


ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا