• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م
مقالات أخرى للكاتب

السخرية.. المنقذ من اليأس

تاريخ النشر: الخميس 01 مارس 2012

في أول روايته “المصرية” كتب الروائي الفرنسي جيلبرت سينويه “يولد المصري وفي قلبه ورقة بردي مكتوب عليها بحروف ذهبية، إن السخرية هي المنقذ من اليأس”!
الواقع اليائس يدفع إما للضحك كما يفعل المصريون أو الانتحار كما فعل البوعزيزي، لكن المصريين لا ينتحرون، إنهم يسخرون، ولقد سخروا حتى فجروا النظام من جذوره، وقبل ذلك وبعده فهم ملوك النكتة والمثل الأعلى في خفة الظل، وتخليق النكتة من بلازما الهواء، إنهم يؤلفونها في لمح البصر، خفة الدم لا تعني أن صاحبها سعيد وأن أوضاعه على أفضل حال، لكنها تعني أنه محب للحياة إلى حد مقاومة اليأس بالحيلة حين لا تجدي أشكال المقاومة الأخرى أو حين لا تكون متاحة.
في عالمنا العربي يقاوم الناس القمع وتردي الأحوال، والفقر، والفساد بالنكتة، بالإشاعة، بالمقالات الساخرة، بالمسرح الكوميدي، بمعنى آخر يقاومون بارتداء أقنعة تحميهم من التعرض للعقوبة، ومع ذلك فقد قتل الكاريكاتير ناجي العلي، وسجنت المقالات الساخرة محمود السعدني، ودخل الشاعر أحمد فؤاد نجم المعتقل مراراً بسبب أشعاره، ولم ينج المسرحيون من التضييق!
من أجمل الكتب التي يمكن أن يقرأها الإنسان لفهم ظاهرة النكتة السياسية كتاب الصحفي عادل حمودة، بعنوان “النكتة السياسية: كيف يسخر المصريون من حكامهم”، وفي هذا الكتاب يقدم حمودة النكتة السياسية في مصر على أنها تاريخ متكامل من مقاومة الطغيان والتصدي للفساد، يقدمها باعتبارها اختراعاً إنسانياً مهماً وجاداً أكثر مما يمكن أن نتصور، فهي في كل الأحوال تعبر عن الرأي العام، عن رفضه ومواقفه وسخريته، ولذلك اهتم بها ودرسها كثير من الفلاسفة وعلماء النفس مثل أرسطو وفرويد، وتحدث عنها نابليون وفرانكو، وجمال عبدالناصر الذي كان يتلقى تقريراً يومياً حول آخر ما يتداوله المصريون من نكات!!
تزداد النكتة وتنتشر في الهواء كذرات الدقيق، في الأوقات العصيبة والملتبسة، وفي حالات القلق والتوتر، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، والنكات تنتشر من خلال القنوات المختلفة، وفي أيامنا هذه تلعب الرسائل الهاتفية القصيرة دوراً حاسماً في هذه المسألة.
يقول حمودة إن النكتة تخفف حدة التوتر في المجتمع، وتحد من الشعور بالضيق، وتختصر هموم الجماهير، ومن هنا اعترف اللواء حسن أبو باشا لمجلة “روز اليوسف” عام 1998 في عدد 30 مارس قائلاً: “إن جهاز أمن الدولة يقوم بتجميع النكات من خلال قياسات الرأي العام، وهو أسلوب أمني متبع منذ سنوات، ومن خلاله كانت تتجمع لدى الجهاز الكثير من النكات السياسية المتداولة بين الناس، وكنت أنا ـ يقول الرجل ـ مديراً للجهاز أقوم بعرض تقرير أسبوعي على مجلس الوزراء عن اهتمامات الرأي العام من خلال تحليل النكات ومدلولاتها” .
مما علق في ذاكرتي من نكت الكتاب تلك النكتة التي تروى عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حيث يقال إنه جمع ذات يوم مجلس قيادة الثورة وقال لهم: إنه اكتشف مؤامرة ضده يقودها واحد من الجالسين أمامه يبدأ اسمه بحرف الطاء، وكان من بين الجالسين ثلاثة فقط تبدأ أسماؤهم بحرف الطاء “طارق عزيز وطه ياسين رمضان، وطه محيي الدين”، لكن الثلاثة بقوا ثابتين في أماكنهم لم يهتز لهم جفن، بينما ارتعش عضو في المجلس لا يبدأ اسمه بحرف الطاء ولا يوجد في اسمه حرف الطاء على الإطلاق، فسأله صدام: لماذا أنت خائف رغم أن اسمك لا يبدأ بحرف الطاء؟ فرد المسؤول قائلاً: أعرف ذلك يا سيدي، لكنك دائماً تناديني يا طرطور!

ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا