• الأربعاء 28 محرم 1439هـ - 18 أكتوبر 2017م
مقالات أخرى للكاتب

ذات زمن في القاهرة

تاريخ النشر: الثلاثاء 28 فبراير 2012

في ربيع مضى منذ سنوات، كنت في القاهرة أحضر مؤتمراً رسمياً للمرأة، انعقد يومها تحت مظلة الجامعة العربية، وبعد جلسات طالت وامتدت ثلاثة أيام، قررنا كمجموعة أصدقاء أن نهرب من جو المؤتمر والنقاشات إلى ليل القاهرة البهيج، فاخترنا حي الحسين، وكان دليلنا في المشوار زميلاً صحفياً من القاهرة، دخلنا المكان الذي فاجأني، لأن زيارتي هذه كانت الأولى للقاهرة، فاجأني زخم البشر، والأضواء، وضجيج المقاهي، وكل التفاصيل المحيطة بمسجد الحسين بكل تراثيته، وهالة الغموض، والقداسة التي تلفه، أما أولئك الآتون من أصقاع المحروسة لزيارة الحسين للتبرك وطلب الشفاعة، فقد افترشوا الفضاء انتظاراً لصلاة الفجر، فساعتها ستفتح البوابات ويتمكنون من الدخول، أما خارج أوقات الصلاة فالبوابات مغلقة!!
في حي الحسين كانت قهوة الفيشاوي التي اعتاد أن يجلس فيها أدباء مصر ومشاهيرها أيام زمان، وأشهرهم شيخ الأدباء نجيب محفوظ، كان المقهى بسيطاً جداً أكثر مما يمكن أن نتصور، وخالياً من أي ملمح من ملامح الفخامة، مع ذلك فأنت تشعر بروح غريبة تجتاحك وأنت تجلس في هذا المقهى، أنت القادم من بلدان الحداثة والمباني العملاقة والبراقة، هذه الروح التي لها علاقة بتفاعلك مع المكان، بعلاقتك بتاريخه وبحبك له بسبب هذا التاريخ، فأنت لا تحب أو تتفاعل مع خشب الطاولات أو رائحة البن العبقة، إنك تتفاعل مع روح القاهرة القديمة، مع تاريخ يمتد إلى مئات السنين، تشعر وكأنك ترى قوافل الفاتحين والخلفاء والمماليك وجيوش قُطز القادمة من انتصار عين جالوت، كما تسمع في المكان نفسه أصوات الشعراء والملوك الذين جلسوا على عرش مصر، ومظاهرات الطلاب والثائرين التي اجتاحت القاهرة، لقد ذهب كل المحتلين وكل الجبناء وبقيت القاهرة وبقيت مصر لتؤكد معجزة كرامتها وخلودها.
تركت الجماعة غارقين في بهجتهم وفناجين الشاي المصري الثقيل، وقمت أتمشى على مهل في المكان، ووجدتني أقف أمام مشاجرة بين امرأة شابة ثلاثينية، ذات قوام وبشرة داكنة، تمتهن بيع الصحف المسائية، وبين شاب كان قد ضربها، وكان بين الاثنين نادل مقهى شاب ذو ملامح مصرية قريبة إلى القلب، يحاول أن يفك الاشتباك الحاصل بين المرأة والرجل الذي ضربها، كل الذي سمعته بوضوح تلك الجملة التي حاول من خلالها النادل إقناع المرأة بأن الرجل قد ضربها لأنه يحبها ويغار عليها، أي حب هذا الذي يتوجب على المرأة أن تكون ممتنة له في حياتها مقابل الضرب العلني أمام الملأ وحتى غير العلني؟
ذهبت باتجاه المسجد المنبثق في الحي بهيبة ووقار، نظرت إلى النائمين والجالسين الذين ينتظرون صلاة الفجر للدخول إلى فناء مسجد الحسين، بعضهم التحف ثيابه، وبعضهم بقطع الكرتون، فقراء، فلاحون وفلاحات معدمات جئن للدعاء والوفاء بنذر أو أشياء مشابهة، تذكرت أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش بعيداً عن خيط أمل يربطه بالسماء، الإنسان كيفما كان وحيثما كان.
تذكرت وأنا اقرأ رواية “سرمدة” للسوري فادي عزام جموع الساعين أولئك، تذكرت قول أستاذ الجغرافيا الذي لم يكن يؤمن بعمل العرافة في الرواية، فكان يقول كلما أجدبت الأرض ازدهرت السماء، وكلما انبتت صلة الإنسان بالخالق استجدى المخلوقين، ولذلك فإن الجهل والفقر هما السببان الرئيسيان لانتشار التبرك بالأولياء ورمي أحمال القهر على عتباتهم المقدسة.
لكن مع ذلك، فإن التبرك بالأولياء شيء وطلب مدد السماء شيء آخر، حيث يسكن الإنسان المعاصر في ناطحات السحاب ويتعامل مع أعقد الأجهزة الإلكترونية ويسافر بطائرات الكونكورد، لكنه يظل محتاجاً أبداً إلى هذا المدد.


[email protected]

     
 

بوركت يااستاذة

تكتحل عيناى كل صباح بكلماتك وتأنس روحى بابداعات عقلك وجاء عمود اليوم ليثير فى نفسى شجون لك تحياتى

mohamed sheha | 2012-02-28

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا