• الخميس 06 ذي القعدة 1439هـ - 19 يوليو 2018م
مقالات أخرى للكاتب

لا تنتحروا لكن اعترفوا على الأقل!

تاريخ النشر: الجمعة 15 فبراير 2013

اعتبر أحدهم أن إخضاع بعض الأطباء في هيئة الصحة بدبي لبرامج ودورات تدريبية بغرض رفع مستوياتهم المهنية، يشكل إهانة لهؤلاء الأطباء ولسجلهم العملي، معتبراً أن حدوث خطأ طبي من قبل الطبيب يعد أمراً معتاداً في كل مكان، سألته إن كانت لديه أدنى فكرة عن طريقة وآلية تقييم الأطباء في دول أوروبا مثلاً؟ فسكت دليلاً على أنه لا يعرف، وحينما أخبرته، استغرب! لكنه اتفق معي على أنها طريقة ممتازة -حسب وصفه - للارتقاء بالمستوى والأداء، وعاد بعد قليل ليقول كمن تراجع عن تأييده للفكرة: نعم ولكن هذا يحدث في أوروبا، لكن عندنا لا تسير الأمور بهذه المثالية، ولو طبقنا معايير أوروبا، فحينها يجب أن نلتزم بتطبيقها على الجميع وعلى كل شيء، فالدقة والمهنية العالية ليستا حكراً على قطاع دون آخر، فاتفقت معه في ذلك.

في معظم دول أوروبا، هناك هيئة أو إدارة طبية لا تتبع جهة تنفيذية معينة، لكنها تمتلك صلاحيات مطلقة في تقييم وتقويم الأداء الطبي في كل المستشفيات ولكل الأطباء، ولديها مطلق الصلاحية في دخول أي إدارة في القطاع الصحي ليلاً ونهاراً للمراقبة والتفتيش، وبإمكانها استصدار أي أمر لصالح أو ضد أي مستشفى أو طبيب لا يلتزم بالمعايير والمواصفات والأخلاقيات المهنية، وليس لجهة الحق في أن تنقض قراراتها أو تعترض عليها، وأما فيما يخص تراخيص الأطباء أو تجديد التراخيص، فإن أي طبيب لا يمكنه مزاولة المهنة إلا بعد ثلاث سنوات من خضوعه لاختبارات وامتحانات عملية وشفهية صارمة ودقيقة، كي يكون مطلعاً بصفة دائمة على آخر مستجدات تخصصه وعالم الطب بشكل عام!

لا يوجد طبيب يتخرج لمرة واحدة وينتهي الأمر، ثم يزاول مهنته إلى الأبد دون دورات واختبارات وامتحانات أمام جهات رقابية عليا وعلى أيدي أمهر الأطباء في أوروبا، لذا يتطور الطب - كما يتطور أي قطاع آخر - ولهذا السبب نجري إليهم كلما ارتكب أحد أطبائنا خطأ فادحاً لا يجرؤ على ارتكابه طالب طب في سنته التدريبية الأولى في مستشفيات أوروبا، ولا ينظر لذلك بعين الغضب أو الفوقية بل إن تلك الاختبارات والدورات تشكل تقليداً رصيناً وعريقاً في مهنة الطب، وينظر إليها باحترام وحرفية وتقدير عال جداً، فقد أثبتت فاعليتها فيما وصلت إليه سمعة الطب والأطباء هناك!

لقد قضينا زمناً كانت فيه الأخطاء الطبية في مستشفياتنا تجد من يتصدى للدفاع عنها من قبل بعض مسؤولي الصحة، على اعتبار أن تلك الممارسات الخاطئة - والكارثية أحياناً - تحسب في رصيد المسؤول بشكل سلبي، لذا نجده ينبري للدفاع عنها، ونادراً ما تم الاعتراف بها علناً أمام الرأي العام حتى وإن تمت إحالة الطبيب إلى المساءلة مثلاً، فالعلنية كانت تشكل مأزقاً مهنياً وأخلاقياً للطبيب والمسؤول معاً، وكان التفكير في الوظيفة والسمعة والمصلحة هو الغالب دوماً للأسف الشديد، في حين أن مسؤولي اليابان أو أوروبا ينتحرون أو يستقيلون إذا حدثت أخطاء مثلها عندهم، نحن لا نريدهم أن ينتحروا لكن أن يعترفوا على الأقل!

إن الاعتراف الصريح الذي جاء من هيئة الصحة بدبي خلال الأيام الماضية بأن هناك أطباء سيخضعون لدورات تدريبية بسبب أخطائهم أو تدني مستوياتهم، يشكل ثقافة جديدة وذهنية مختلفة تستحق التوقف عندها وتأييدها، باعتبارها بداية الطريق نحو التخلص من أنصاف الأطباء، فالطب مهنة لا تحتمل أنصاف المحترفين ولا أشباه الأطباء، إنها مهنة لا تتعامل مع أمور قابلة للتأجيل .. إنها مهنة ينظر إليها باعتبارها (محرماً أو تابو) قومي في بلد كالصين مثلاً!

عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا