• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م
2017-10-20
التعليم أولاً
2017-10-19
العقل عندما يخادع
2017-10-18
عندما تكون الأفكار مثل...!!
2017-10-17
الإنسان الجديد
2017-10-16
ثلاثة معلمين في الحياة
2017-10-15
خيانة الماضي
2017-10-14
الغرق في التفاصيل
مقالات أخرى للكاتب

الجريمة النكراء

تاريخ النشر: الجمعة 23 ديسمبر 2016

في الجريمة التي ارتكبت بحق الوالدين، في جولان رأس الخيمة، تخيّلت الأب المحترق بنيران ابنه وفلذة كبده، إنه كان ينظر إلى وجه القاتل، ويحملق في ملامحه ويهز رأسه، إنه ليس ابني، وليس هذا هو الطفل الذي حملته بين يدي وأسقيته من شهد حنان ووجدان، ليس هذا هو ذاك الصغير الذي تعبت من أجله، وشقيت لأجل أن يصبح شاباً يافعاً نافعاً لأهله ووطنه.. إنه كائن غريب الوجه والقلب، إنه كائن استلف من الوحوش ضميراً، ومن الضواري مخالب، إنه كائن جاء من عالم آخر، بعد أن تسلل غابات وشعاباً، ليحتل مكاناً في الأسرة، من أجل أن يبطش بأقرب الناس إليه، الوالد والوالدة.

أما الأم، فهذه الصريعة، فكانت تهتف باسم الأمومة الضائعة هدراً، وتصيح وهي تنظر إلى فم القاتل الذي أرضعته من حليب حبها، حتى تورمت أوداجه، وتضخمت أكتافه، ويصير الطفل رجلاً في العقد الثالث، وفي قلبه ضغينة وهْم وخرافة، في صدره تغلي دماء الكراهية لأقرب الناس إليه.. تخيلت هذا المشهد وفكرت بالأبناء عندما تتوحش قلوبهم، وتتضور نفوسهم، ويتحولون إلى كتل من العقد النفسية، وربما لا يعود الأمر إلى أسلوب تربية أسرية ولا مجتمعية، دائماً يتعلق بما يفكر فيه هذا القاتل، وبمن احتك بهم وأخذ من قيمهم، حتى أصبح التاريخ الأسري، يحرر ماضياً طواه المجرم، وارتدى معطف الإجرام الذي اقترضه من آخرين، من رفاق سوء حرّضوا في نفسه شيطان التمرد، والتجرد من الأخلاق والولوج في ظلمات الحقد والكراهية.. أعداء الحقيقة كثر، ومن لا يعشقون غير البؤس والرجس أكثر.. ولكن ارتفعت روحا الوالدين، ونزلتا منازل الصديقين، ولم يزل السؤال المحيِّر يسكن في غواء نظراتهما، وهما يودعان العالم، والحسرة، مثل دوائر الموجة العارمة، تستولي على كيانهما، والندم على كل لحظة من لحظات الحياة، أحرقاها من أجل تذليل كل ما يسعد هذا المجرم، الذي أربد وتولى وسار وتمطى، مشمولاً بمشاعر الجفاف والاستخفاف بكل القيم الإنسانية.. فعندما يقدم شخص على قتل والديه أو أحدهما، فكأنه قتل العالم، كأنه أحرق الأشجار والبحار والأنهار والجبال، كأنه أحرق الكون برمته، لأن صدر الأب سماء، وحضن الأم أرض، ومن لا سماء له ولا أرض، فإنه كائن بأصابع من نار، وعينين من شرارات المواقد الملتهبة.. هذه الجريمة ليست خطأ في التقدير، وإنما هي خطيئة في المقادير، وهروب القاتل إلى المناطق الجبلية بعد ارتكاب الجريمة، يؤكد مدى قوة الإحساس بالهزيمة، واللوذ بالذات نحو مناطق الفراغ اللا متناهي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا