• الثلاثاء 30 ربيع الأول 1439هـ - 19 ديسمبر 2017م
2017-12-19
مدائن الثلج
2017-12-18
بعض الأحلام مثل البحر لا تجف
2017-12-17
لسنا بمأمن من هذا الخطر
2017-12-16
أنا شرطي
2017-12-15
كيف السبيل إلى وصالك دلني؟
2017-12-14
الأيقونة عند باب القلب
2017-12-13
قشريات تسكن بيننا
مقالات أخرى للكاتب

تحت الضباب

تاريخ النشر: الإثنين 19 ديسمبر 2016

تحت الضباب، خلف الضباب، تبدو البنايات الشاهقة مثل أجنحة الطير الغابرة، فلا ترى غير هامات مشوشة، ولكن بعض السائقين، بعض المتهورين، يبدو وكأنهم يرون ما لا يرى الإنسان العادي، يسيرون بلا هوادة ولا تؤده، يقودون الحديد ببأس شديد، ويسرقون الهدوء من أفئدة الناس، لأنهم يتجاوزون ويتحاورون مع الشارع حوار الطرشان، ويساورهم الظن أنهم الذين اخترعوا الذرة، وأنهم الذين صنعوا هذه المركبات الحديدية المذهلة.. خلف ستائر الضباب لا تكاد ترى الأضواء الحمراء، ولكن بعضهم يقول لك أنت كسول، أنت معطل للسير، أنت بدائي ولا تفهم قيادة السيارات، ولذلك خذ هذا المثال، إننا نتفوق على غيرنا، بمهارات فريدة وعديدة وعتيدة، ولنا الحق في أن نقود سياراتنا كيفما نشاء، ومتى نشاء، وأين نشاء، لأننا أشخاص غير عاديين.

وعندما تقطع مسافة غير بعيدة عن المكان الذي مرت عليك سيارة أحدهم تصدمك المفاجأة المؤلمة، وترى نفس السيارة التي سبقت الضوء والصوت معاً، تحولت إلى كومة حديد وبداخلها كائن بشري يستغيث للمساعدة وطلب العون للخروج من لعنة الحديد الساخن.. في تلك اللحظة لا تفكر إلا في الإنسان الذي أمامك تفكر في معاناته وجروحه، ونزيفه، وبريق عينيه الذي يومض بالآلام والآهات.. هنا تتوقف عن الانتقاد وتدعو بالرحمة لمن حملته سيارة الإسعاف على أكتافها، وانطلقت به إلى حيث التضميد، وتخفيف الأذى.. هنا تتذكر وتتعظ وتقول لنفسك الأمارة: هذه هي العواقب التي أحذرك منها، هذه المصائب التي يجب أن يتجنبها الإنسان، ألا يغمط الطريق حقها ولا يتجاهل أفكار السرعة، وبخاصة تحت جنح الضباب.. وكلما مرت سيارة بنفس السرعة الفائقة التي كان صاحبنا يمارسها أقول: اللهم احفظ هذا الإنسان، وأعد له وعيه، لأنه بالفعل من يقود سيارته بمثل هذا الجنون، لا بد وأنه في تلك اللحظات يكون فاقداً وعيه، وأنه يعيش تحت ضغط اللاوعي، هذا الكائن الشرير الذي يدفع بضعاف النفوس إلى ارتكاب الجرائم بحق أنفسهم وغيرهم، ويمارسون الألعاب البهلوانية، بغير إرادة.

هذه النماذج المحزنة نراها كل يوم، وفي كل يوم نسمع عن حوادث مفجعة، تذهب على أثرها أرواح أبرياء لا علاقة لهم بالأمر سوى أنهم وبمحض الصدفة مروا من هناك عندما كان شخص ما يقود سيارته، بعقلية أفلام الرعب.. في كل يوم نشهد هذه الأحداث الدامية، لأن القيادة ثقافة، ومن لم تتوفر لديه ثقافة احترام الطريق، وروادها، فإنه لن تردعه قوانين الدنيا بأكملها لأن أمثال هؤلاء تجاوزوا حدود المنطق، بل صار المنطق بعيداً عنهم بعد سيبيريا عن الصحراء العربية، هؤلاء الأشخاص يكتبون على الأسفلت خبر وفاتهم بحبر الإطارات السوداء، ويذهبون بعيداً، ويحرقون أكباد أهليهم وذويهم، وييتمون أطفالاً، ويرملون نساء، ويثكلون أمهات.. نطلب الهداية للجميع.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا