• الاثنين 24 ذي الحجة 1437هـ - 26 سبتمبر 2016م
2016-09-26
كيف نشعل الشمعة؟
2016-09-25
الناقد والمنقود والهدف المقصود
2016-09-24
ملتقى السرد وأسئلة الرواية
2016-09-23
المخلدون في القلوب
2016-09-22
الثقافة مستقبلنا
2016-09-21
طفولة العالم
2016-09-20
إيران.. في دخول الوحل
مقالات أخرى للكاتب

في جبال الألب بعض البياض

تاريخ النشر: الجمعة 26 أغسطس 2016

على بعد ثلاثمئة كيلومتر من العاصمة جنيف في مدينة «إنترلاكن» تبدو الجبال مثل سجادة خضراء نقشت بالأشجار السامقة، وفرشت بالعشب اليانع المهفهف مثل أنامل أسطورية رهيبة فتستقل «التلفريك» ويأخذك إلى السماوات العلا ومعك أسئلتك اللامتناهية، هناك عند القمم، هناك تسكن شيم البياض، بياض ما تبقى من شتاء أوروبا القارس، تشعر وكأنك طائر يخفق بأجنحة الفراغ اللامتناهي، وهناك يصبح الأطفال طيوراً، حيث لا طير هناك يسفون من حناجرهم الصغيرة أحلى الألحان مغردين، مبتهلين، متبتلين يثيرهم البساط الأبيض، فيرفرفون برموش كحلها شعاع الماء المتدفق من بين الأجفان كأنه القطرات الندية، فلا يرهبهم العلو الشاهق، بينما أنت تنظر إلى الحضيض فتشعر وكأنه المخلب العملاق سيهوي بك إلى الهوة السحيقة، هناك أيضاً تنمو أحلام الصغار وتسمق كما هي الأشجار الغابية ذات الأخضر الغامق المنحدر من تواريخ أزمنة سحيقة، ولم يزل قابعاً كأنه والسماء توأم يلون الحياة بنبض، وحض، وكض، ورض، وخض، وأنت تطل من خلال بيتك الزجاجي الصغير كطائر يبحث عن عودة إلى العش الفسيح، تنظر إلى ابتسامات فتدهشك البراءة، وهي ترتع في المكان الشاهق، ولا تعرف للخوف مكاناً وهي في الصفاء ترسم أحلاماً والأنامل الصغيرة تربت على شاشات الهواتف، حروف الذاكرة، ذاكرة ما يخطر وما يسفر وما يبدر وما يسجر في بحار السماء العالية.

هناك عند شفة جبال الألب، هناك عند خدودها البيضاء، ونحورها الناصعة يصعد الكائن الساحر، يجول بك، ويجوس، ويمضي في خيالاته، وكأنك معلق على جناح طائر عملاق، تطوقك الأسئلة، وتقول وجعلنا من الماء كل شيء حي، والحياة هناك، منضدة بصوت النسائم، المبثوثة من بين خصور الجبال، ومن تحت جفونها الساهرة على تنفيد الحياة وتعبيد مناهلها، بحيث يصبح كل شيء هناك ينطق بلغة الجمال ويستفتي رأيك، إذا ما كان لهذه الجبال من سطوة على البشر، فتقول بل إنها السطوة الجامحة والقدرة الراجحة، فلا يسكن نبض ولا يخفت وميض عندما تجد نفسك معلقاً ما بين الأبيض السماوي والأخضر الأرضي، وما بينهما تغاريد صغار لا ينتمون إلا إلى الحب ومن دون رواسب الخوف هم يهيمون في الفضاء العالي وكأنهم يرتقون سلالم السماء بعيون لونتها البراءة بالبريق، فاشتاقت للسكينة، ومرح الفضاءات الفسيحة.

في «إنترلاكن» الكائنات مزخرفة بالعفوية وبياض الثلج والجبال الشاهقة مثل قلائد خضراء تطوق أشواقها وتمنحها إرادة البقاء من دون تكليف أو تزييف أو تحريف.. في هذه المدينة العامرة، الساحرة، النساء هن من يقدن مسيرة الحياة وقد يكون هذا هو السبب في بلوغها الأعالي.

Ali.AbuAlReesh@alIttihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء