• الأحد 09 ذي القعدة 1439هـ - 22 يوليو 2018م
2018-07-22
الفزعة
2018-07-21
الشرطة المجتمعية والدور الأخلاقي المتوارث
2018-07-20
أحلام صينية زاهية حقيقة إماراتية دامغة
2018-07-19
«كونفوشيوس» يعبر سور الصين للإمارات
2018-07-18
عندما تكبر الأنا تتوسع حدقة الخيانة
2018-07-17
الحب وحده مصل الولاء والانتماء
2018-07-16
الإجازة يوم عيد عندنا
مقالات أخرى للكاتب

ذاكرة

تاريخ النشر: الثلاثاء 02 يناير 2018

الذاكرة مثل مخزن أثاث قديم، عندما تمر عليه وتبحث في محتوياته تعثر على أشياء تكون قد نسيتها، فتبرز على الفور، وتسفر عن صور ومشاهد وأحداث وحكايات، ومواقف تذهلك عندما تبدو أمامك، وكأنها حدثت للتو، وتبدأ في فتح الصفحات، وتقليب الأوراق بعضها حزين ويطفر بأشواق الزمن، وبعضها مفرح يفيض بنسائم تهفهف على الوجدان كأوراق الشجر التي تحتضن أعشاش الطير.

عندما نتذكر نخوض في النهر ونمر بين الشعاب ثم تعلو باتجاه الهضاب، ثم ننزل في وديان بعضها حصوية وبعضها طينية ولكن مع كل ذلك عندما تخضر الذاكرة ينفتح الوجود وتكتب الأبدية في سجل الخلود أن الإنسان ليس كائناً طارئاً على الحياة، بل هو في صلب الوجود، يأتي ليحفر في لوح التاريخ اسماً وصورة وموقفاً وسلوكاً. لا أحد يأتي ليمر عبر طرق الحياة لمجرد مرور فقط، وأنما الوجود البشري في حد ذاته هو انغماس في الكينونة وإثبات أن الحياة ليست عبثاً، وإنما هي إضافة لتراكم معرفي يضيفه الإنسان للإنسان، وبالتالي يصبح الوجود كلاً متكاملاً مثل نسيج الجسد الواحد.

ما يجعل وجود الإنسان ذات قيمة ومعنى هو الحب، لأنه القاسم المشترك بين كل الأحياء، وهو النهر الذي يجمع كل الروافد القادمة من شلالات الجبل، ليضعها في فناء الوجود وتصير نهراً. ولكن لا مكان لوجود الإنسان من دون ذاكرة فهي المخزن الذي تجتمع فيه كل ممتلكات الروح وعندما تكون الذاكرة حاضرة يصبح الإنسان جزءاً من الحياة، ومشاركاً في بناء أوتاد خيمتها، المشكلة في الذاكرة المثقوبة التي أصبحت جزءاً من تقلبات عصرنا الحالي فلا توجد في غرف العقل اليوم أي مخازن للذاكرة، بل إن الأشياء تأتي وتمر كأنها الزبد، ولا شيء يرسخ في الذاكرة لأن المتغيرات أسبق من الثوابت وأكثر تأثيراً، مما يجعل العقل لا يستوعب ما يحصل، ولا يستطيع الإمساك، بالصور، التي تمر، ولا بالمواقف التي تحدث، فكل الأشياء تشبه بعضها، والحدث الجلل هو بمستوى الحادث البسيط، وهكذا، تدور الرحى ولا طحين في صحن الذاكرة لأنها مثقوبة وخاوية من المعنى.

فقد تمر على صديق ولا يعرفك، وقد تغيب عن أمك وأبيك، لفترة زمنية طويلة ولا تتذكر إلا عندما تسمع النداء، الطفولي، يأتيك من أحدهما، وابنك قد يأتي ويذهب من البيت، وأنت لا تشعر بالحضور أو الغياب لأن لا وجود لمخزن تحفظ به صور المشهد العائلي، بل إن الصور تأتي وتذهب مثل الهواء الرطب يصدمك، ولا تراه.

نحن نحتاج إلى الذاكرة لأنها الموجة التي توشوش في أسماع السواحل عن سر جمال عيون النوارس، وكيف تكون أجنحتها فياضة عندما لا يتصيدها عابث أو مستهتر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا