• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م
2016-12-04
دقيقة صمت
2016-12-03
شهداء وشهود وشواهد
2016-12-02
كيف يفهمك المتطرف؟
2016-12-01
يوم الشهيد
2016-11-30
الشباب لبوا النداء
2016-11-29
قطاع الطرق
2016-11-28
العقل كائن متهور
مقالات أخرى للكاتب

في رمضان تشتعل الذاكرة

تاريخ النشر: الجمعة 17 يونيو 2016

مثل موقد تهب عليه ريح عاتية، مثل سراج معلق تحت مظلة عند ساحل البحر، مثل موجة تختزل الطريق إلى الرمل، ممتطية ظهر سمكة طائشة، مثل فراشة تسأل عن لون الوردة المشاغبة، هكذا تبدو الذاكرة في رمضان، مشتعلة منشغلة متسللة، مبللة بندى الساعات الأخيرة من النهار، تستدعي الصور والمشاهد والأحداث، والوجوه ثم تقرأ الفصل الأول، ثم الثاني ثم الثالث، إلى أن ينهك الجسد، وتبدو العين مثل قماشة مبتلة بالماء، والتفاصيل تنهال كأنها الزفات على أرض رملية، لا يبقى أثر في التراب ولكن في القلب هناك أشجارا تنمو وأعشابا تعرش من جديد، وكأنك يا بن الخمسين أو الستين، ابن العشرين، هناك تيار شديد اللهجة يضرب في المهجة، يحرك مسامير الفؤاد من مكانها، وتتناثر أخشاب الصدر، وتتبعثر الدماء وأشياء أخرى تبدو ساهرة على استدعاء الأيام التي اختبأت في جيب قميص النسيان، الأيام التي حاول الإنسان تركها عند تلة بعيدة، وهرب بعيداً كي لايضعف أمام خلانه وجيرانه وكي لاتستولي عليه آفة المشاعر الهشة، ويعيش دوماً بين الحفر.

في رمضان، تقفز فجأة، النقاط والفواصل، تنط أرانب الماضي وتظل تلعب في فناء القلب الخرب، تعبث في رمله وفي أمله، وتخربش في مصيره البالي، مع مرور الزمن.

في رمضان، أشياء كثيرة تتغير في عيون الناس، حتى لون وجوه الأصدقاء، والزوجات، تبدو غريبة، عجيبة ومريبة، وفي رمضان، حدقة الأحلام تتسع، وتصير بوسع صحاف الهريس والفريد، كما تتسع فتحتي الأنف، والرائحة نفاذه قوية، تغزو الكيان بشراسة الجراء الصغيرة، في رمضان، قد تسفح الدموع، وقد تخرج الآهات، وقد ترتفع نبضات القلب، وقد نستغرب لذلك، ولكن هذه هي الحقيقة، دائماً ما يكون الماضي أجمل حتى وإن كان تعيساً، لأنه يمثل العمر، ويعبر عن سنوات كانت الزهرات يانعة والأكمام عصية على الذبول، اليوم وبعد أن تداعى الغصن، وتهاوى الجذع، واشتعل الرأس شيباً، صار من البديهي أن يحلم الإنسان كثيراً، ومن الطبيعي أن يذرف دمعه كلما تذكر صديقاً غاب أو صاحباً انحدر خلف وادي الأيام، اليوم ويعد هذا العمر، أصبح لابد وأن تخفي الجفون، بللاً يغسل المقل بالملح، ويمشط الرموش بخيوط من سيولة العين.. هذه هي سنة الحياة، نحن نحِنُّ لما مضى، لأنه أخذ منا أجمل ما نملك، أخذ رحيق الروح، وشمعة القلب ولكن لأن رمضان شهر الروحانية كما هو معتاد وموروث، فإن دموعه تكون أكثر التصاقاً بالقلب.. ولذلك، تشتعل الذاكرة به وفيه وعنه.

Ali.AbuAlReesh@alIttihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا