• الجمعة 09 رمضان 1439هـ - 25 مايو 2018م
2018-05-25
يختزلون الحلم ينبذون الفرح
2018-05-24
أطفال الجوجيتسو في اليد الأمينة
2018-05-23
غريب الوجه واللسان
2018-05-22
الفصاميون
2018-05-21
صديقة أحباب الله
2018-05-20
من النافذة يطل عليك قمر كبير
2018-05-19
اللامنتمي
مقالات أخرى للكاتب

الانسحاب الرهيب

تاريخ النشر: السبت 25 فبراير 2012

عندما ينسحب شخص من عالمنا، عندما يتوارى في الغياب الأدبي، عندما تنطفئ شمعة، ويخبو بريق، تكتسي السماء بغيمة داكنة، ويتسع فراغ اللوعة، ويستبد الشوق إلى تجسيد صورة من هوى في النوى، ولكن كيف يمكن أن تمتد يد للمصافحة وقد خيب القلب الأمل، وتمادى المدى في تقطيب الجبين بتجاعيد وأخاديد وتجويف القلب الذي يبدو عارماً عامراً بخضات ورضات ورمضاء الفراق ولظى أشواق لشيء صار لا شيء.

الموت في حد ذاته قد يكون المنطقة المحايدة التي تنام فيها النفس قريرة، ولكن التشبث بما فوق التراب خير وسيلة لمحاولة اتقاء ذلك النفق المظلم المختبئ في الوجدان كأنه الوحش، كأنه الغابة الموحشة. ما من أحد لا يعرف النهاية، ولكن بعض النهايات تقع في منطقة المجهول، وهذا ما يدعو إلى الرجفة وإلى احتدام الرعشة عندما ترى صديقاً مسجيً يلتف ببرودة الوحدة ويتكئ على سلامه الأبدي مخلفاً للآخرين الأسئلة الغامضة المفتوحة على آخرها، إلى أين؟ وكيف؟ ولماذا الموت؟ في لحظة ما لشخص معين قد تكون هالته الفظيعة لم تزل تتشكل وتحيط بالمكان والزمان لما له من محيط واسع قد يتسع للذاكرة بما لها وعليها من تراكمات الخوف الأزلي من شيء، من كائن يتوحش عندما يستولي على شخص يعتقد الآخرون أنه لم يمت وإنما ذهب في نزهة، إلى مكان ما وسوف يعود، ولكن الفكرة نفسها لا تستقر كثيراً في الذاكرة، بل تنسحب متقهقرة، ثم متوارية لتبرز الصورة المثلى للموت أنه القاضية وأنه الغاشية، وأنه الورطة المتفشية، وأنه الرداء الأكيد السائد والمتسيد مهما بلغ العقل من توهج، وامتلأت الروح بالحيوية والمراوغة، وأحياناً المبالغة بالخلود.

يذهب الأحبة، يذهبون مهزومين أمام سلطان الموت، منكوبين بلوعة مرض نخر العظم، وانسل على إثره اللحم، وبقيت بعض أوصال متهالكة، هي شحمة ذلك الرمل الذي سيطوي ويحوي ويغيب بلا هوادة، جسداً كان بروح، وطاقة تألقت وتسامقت ومعها جمحت طموحات وأحلام، فإذا بها مجرد رماد لنيران وصدى لأي كان، وظل لأشجان، وبقي ما بقي من أحاديث الدهر وحكايات أشبه بما يراه النائم ساعة حلم مفزع، مخيب للآمال ولا يخلد غير الموت. الشيء الوحيد الذي لم يعد أكذوبة كما هي الأكاذيب الأخرى التي تزخر بالبريق، فإذا بها تصبح مجزوزة منبوذة مأخوذة إلى أقاصي الغياب الرهيب، وكأن الحياة مجرد كائن أسطوري بلا ملامح ينبض بالنشوء والارتقاء إلى لا شيء ليبقى الموت هو الخالد المتفرد، المتمرد، المتجرد، المتوحد في الخلايا.

marafea@emi.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا