• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م
2017-12-15
تذكرة.. وحقيبة سفر -1-
2017-12-14
خميسيات
2017-12-13
خذوا الحكمة من الصين
2017-12-12
المصداقية أم الشفافية
2017-12-11
«مندوس الصَرّتي»
2017-12-10
رأيت رجلاً سعيداً..
2017-12-09
تذكرة.. وحقيبة سفر -2-
مقالات أخرى للكاتب

كـ لـ م ا ت·· في ليل الانكسار

تاريخ النشر: الأحد 25 فبراير 2007

أتذكر مرة في أمسية صاخبة بالشعر، وفي ليل مدينة صور الجميل، تلك المدينة المسورة بالحب ورائحة التاريخ، الغافية على بحر من البطولات، وفي قلاع من صخور المنعة، ضم ليل المدينة شعراء من أطراف الوطن العربي، وجمهوراً غصّ به المكان، كان يزاحم من أجل الموسيقى والغناء، واليوم يزاحم من أجل الشعر ويحضر من أجل الكلمة فقط.

في بهيم ذلك الليل والتاريخ حاضر، ورهبة مكان الأولين يتجلى زهواً، وإن غاب القمر وتدارى إجلالاً للشعر ولأرباب اللغة الذين طوفوا بنا نتبعهم في سباحتهم ضد تيار السقوط أو نذير الهزيمة وغلبة الشعوب، جالوا بنا في استشراف مكنونات الروح وخفايا النفس، في سبر الزمن العربي والوقت العربي الذي يبدو أنه خارج الوقت، ورغم كل هذا التجلي الذي فاض به المكان، وصرخت به القصائد من وجع حرفها ونشدانها الخلاص، إلا أن للكلمة سحرها وحضورها الطاغي إلى الأبد.

ولأن المدينة تاريخ، ولأن المكان جزء من التاريخ، ولأننا أسرى التاريخ، لم يستطع الشعراء الانفكاك من هذا الربق، فظهرت البكائيات وزفرات العربي الأخيرة على جسور التنهدات، وحضرت عواصم السقوط وخلافات ملوك الطوائف، وكانت بغداد جاثمة بكل أبهة الحضور وتعب الأيام ودويّ انكسار الذات وصوت الفجيعة، كانت بيروت حاضرة تتخالف عليها خناجر الخاصرة، كانت دمشق تنتحب خلف بابها الموارب، أما فلسطين فكانت هي جرح الحروف.

التساؤل.. لماذا هذه السطوة الكبيرة للكلمة؟ لماذا هذا الفزع منها؟ وهل هناك اليوم جدوى من الشعر؟! ومن المحاربة بالكلمة في زمن الحديد ولغة الأرقام وقاموس المصالح؟ بداية قلت: طرح السؤال، وفجأة التساؤل، كلها تعطي للمسؤول عنه أهمية الحضور واعترافا بنبل الدور.

هكذا هي الكلمة منذ البدء حين كانت وحين اقترنت بالحقيقة، وحين كانت رسالة الرب، اقرأ.. نون والقلم وما يسطرون.. كهيعص.. وتظل الكلمة إرثاً نتكئ عليه وقت الشدائد، وحين تزل بنا القدم، وحين تحدث المربكات، نحتاج إلى القاف والكاف والميم، قلب نابض وقلم راعف وسطور من القيم لكي لا تتحرك الثوابت الثقال، ولكي لا نكن فنكون، نرتجي مقاومة بالحيلة، ومقاومة بالكلمة، ومقاومة لكي لا تغلبنا الهزيمة بحضورها وجلبة خيلها وصليل سيوفها.

إن كانت الانتصارات تتوج بالملاحم وقصائد الغناء، فالهزائم تحتاج إلى كثير من النشيد، وإلى قصائد توشح ليل الهزيمة، وتبشر بفجر قادم، وتصلي للشمس عند الغروب، فالبحر يحتاج إلى الكلمات لكي تبحر مراكبه، ولكي يصبر البحّارة في وجه الريح والموج، ولكي يعود الجميع، والجبل يحتاج إلى الكلمات لكي ينزل المطر ويصلد حجره، ولكي يعود الاخضرار إلى سفحه، ولكي لا يستوحش طالع قمته، ويسمع رجع صدى صوته، والسهل يحتاج إلى الكلمات لكي يعود الراعي بأغنامه، ويبعد الذئب عن قطيعه، ويشب حقل السنابل، والإنسان يحتاج إلى الكلمات لأنه مخلوق من ألف وطين ونون وألف وماء ونون..

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال