• الاثنين 22 ربيع الأول 1439هـ - 11 ديسمبر 2017م
2017-12-11
«مندوس الصَرّتي»
2017-12-10
رأيت رجلاً سعيداً..
2017-12-09
تذكرة.. وحقيبة سفر -2-
2017-12-08
تذكرة.. وحقيبة سفر (1)
2017-12-07
خميسيات
2017-12-06
تناقض الجنازات
2017-12-05
الخاتم الذكي لاستقامة الزوج
مقالات أخرى للكاتب

صورة قلمية

تاريخ النشر: الأحد 18 فبراير 2007

مرة رأيت صورتين لمصوري الرئيسين المصريين جمال عبد الناصر وأنور السادات، فاستوقفني الرجلين، وصورتيهما الشخصية أكثر مما استوقفني تصويرهما، ومعاشيتهما لحياة الزعيمين لحظة بلحظة، فقد خلقت الكاميرا مناخاً تستطيع من خلاله أن تقارن بين أسلوبي عمل القائدين، وأسلوبي أداء المصورين المرحوم حسن دياب مصور جمال عبد الناصر، وفاروق ابراهيم مصور أنور السادات.

فقد لفت انتباهي الفرق بين صورتي المصورين الشخصية، وكيف يقف المصور لأول مرة أمام الكاميرا لا خلفها، حينها قد تستطيع قراءة شخصيته، أكثر مما تقرأها من أدائهما ولقطاتهما الفنية المعبرة عن مسيرتي الزعيمين.

كان مصور عبد الناصر صورة طبق الأصل لموظف القطاع العام، الذي لا يحلق شاربه بل يهذبه ويشذبه بعناية الموظف المخلص، يحاول إخفاء تقاسيم الزمن على وجهه ومحياه، لقد أحناه الوهن فاتخذ من نظارته السميكة عاملاً مساعداً على ضعف البصر وقوة البصيرة، وظهر في كامل لياقته مع جاكيت القطاع العام الذي يمتاز بطوله وزهد ثمنه مع صرامة في الوجه والنظر، وانضباط العسكري المتقاعد، واستعداد الموظف العام للعودة إلى البيت متأبطاً الجريدة والبطيخة وكثيراً من الحبّ والدفء لأم العيال وأولادها، لا يختلف عن أي فلاح مصري فصيح، على جبينه عرق الأرض وتقاسيم جدوده الصلاب.

أما مصور أنور السادات فكان ''منور'' الوجه، حليق الشارب صابغ الشعر، مورد الخدين كأنه نجم من نجوم ''السينما'' يرتدي قميصاً شبابياً مرقطاً، وطبعاً مفتوحاً عند الصدر لتظهر السلسلة الذهبية التي تطوق العنق، فالنعمة المحدثة ظاهرة عليه، والانفتاح تعبر عنه نظرة متفائلة في الأفق البعيد ورأس مستطيل، وشعر أسود مسرح كجناح غراب وحاجبان يقظان ووسامة مطلة ولو كانت على كبر، لا هم ولا من يحزنون، لا شيب، لا نظارات، ولا صلع ولا موعد مع الأفول.

يبدو أنه يحب ركوب الطائرات والسهر مع الفنانين، يحب أمريكا، والفنادق ذات النجوم الخمسة، يعرف التعامل مع الدولار، وربما تزوج أكثر من مرة وامرأة.

كانت المقارنة المتخيلة، كأنه الفرق بين عصرين، حكمين، جيلين، وزمنين، كأنه فرق بين التقشف، والصرامة والضنك، وشظف العيش وبين العطايا والهدايا والانعتاق والحياة اليافعة ورغد العيش، كأنه الفرق بين حجم الحلم وحجم الواقع، كأنه الفرق بين ''بهية'' ناصر و''لوسي'' الانفتاح.

أصدقكم القول أنا لا أستهدف لوم زمن ولا تفضيل عصر ومعطياته على عصر آخر، فقط، بحس القاص والمصور الصحافي، أردت تسجيل وقائع المشهد الذي قدمه لنا المصوران، ومعه المشهد الظاهر من محياهما، والصورة القلمية الطالعة بين بروازين لفنانين مبدعين في عصرين وجيلين مختلفين، مع ترحمي على الأول، وتحيتي للثاني.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال