• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م
2016-12-07
التنسك في الألوان
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
2016-12-03
فرح ملوّن برباعية البيرق
2016-12-02
داموا له.. ودام بهم ولهم
2016-12-01
السماحة تميزهم.. ولا تغيرهم
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر

تاريخ النشر: الجمعة 11 مارس 2016

ذات صيف جميل وبعيد، زرت جنوب فرنسا لأول مرة، قاطعاً الطريق إلى الـ«بروفانس» قاصداً مدينة «أفنيون»، تلك التي تلقب بمدينة «النسيم العليل»، بعد أن أنهيت الدراسة في مدينة «فيشي» العجوز، فصدى تردد صوت «أفنيون» التاريخي، ما زال في الرأس، حيث احتلها المسلمون حيناً من الوقت، وبعد سنتين من هزيمتهم الكبرى في معركة «بلاط الشهداء» أو «بواتييه» عام 732م.

«أفنيون» مدينة يغلب عليها الطابع المعماري القرو- أوسطي، يحوطها سور قديم، ظل يحميها من غزاة كثيرين، تتوسطها كاتدرائية «قصر البابوات» التي كانت مركزاً للمسيحية، حيث كان ينصب «البابا» بعيداً عن الفاتيكان في مرحلة قاسية من التاريخ المسيحي، عرفت بمرحلة النفي، عاش فيها تسعة «بابوات» في القرن الرابع عشر.

حينما دخلتها لم توح لي إلا بكونها مدينة أندلسية، إسبانية قوطية الطابع، بعيدة كل البعد عن فرنسيتها التي تفرضها اللغة وحدها، ثمة نهر جميل بارد يجري في عروقها منذ الأمد، نهر «الرون» بكل تلك الوداعة الحانية، قلاع ما زالت صامدة بصخورها القاسية، قناطر وأقواس وسواقٍ، كانت قبلة للعشاق، ومغني الـ«تروبادور» والـ«ترافيرسير»، وتلك الأشعار التي تخرج محترقة من بين الضلوع، مبانيها فيها من حميمية القرب من البحر الأبيض المتوسط بخجل، كل الثقافة ورموز الفن تجدها في طرقاتها، موزعة في زواياها، تعد اليوم من مدن الثقافة في العالم، يأوي إليها الفنانون والسياح، لا سيما في مهرجانها السنوي الذي أسسه المخرج المسرحي «جان فيلار» سنة 1947م، حين عرض مسرحية «موت في الكاتدرائية» لـ«توماس إيليوت»، وسعى لجعل هذا المهرجان سنوياً، جاعلاً من المسرح متعة وثقافة للجميع، والخروج به من الصالات التي تخص النخبة البرجوازية الباريسية إلى فضاء المكان، قد تكون في المقهى، وبمشاركة الزبائن، ونادل الحانة أو في موقف السيارات، في كراج منسي بكل الخردوات التي فيه، أو ساحة البلدية العامة، يفترش الناس الأرض، ويمكن أن يمدوا الممثلين ببعض المشروبات المنعشة أثناء أدائهم لأدوارهم التي هي قريبة منهم، وكاسرة الجدار الرابع، قد ترى الممثلين يجوبون الشوارع يروجون لعروضهم المسرحية، ويبيعون التذاكر.

اليوم غدا مهرجان «أفنيون ديفوار»، مهرجاناً عالمياً، وخرج من إطار المسرح ليحضن كل الفنون، ويحتويها، ويقدمها في فضاء اللامكان، قد يمضي الإنسان أسبوعين من المتعة والبهرجة والثقافة، ورؤية الإبداع بمدارسه المختلفة والمجنونة، لكنه لن يندم، قدر ندمه، أنه لم ير هذه المدينة التي تتحرش بالإنسان، ولا تدعه يمر دون أن ترى خربشة أظافره على جدرانها العتيقة!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا