• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
2016-12-03
فرح ملوّن برباعية البيرق
2016-12-02
داموا له.. ودام بهم ولهم
2016-12-01
السماحة تميزهم.. ولا تغيرهم
2016-11-30
سرديَّات للوطن.. وعنه
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر (1)

تاريخ النشر: الجمعة 11 سبتمبر 2015

بداية الثمانينيات، كان بإمكانك أن تحمل تذكرة، وحقيبة سفر، وتتنقل بين بلدان عديدة تفصل بينها بحار، وتوجد بينها حدود، ولا أحد يسأل عنك، ولا ما تحمل، ولا أين وجهتك، والأهم أنك لا تحتاج لسمة دخول لها «فيزا». في تلك السنة ذهبت للدراسة في لندن، ومكثت شهرين، واستقررت عند عائلة إنجليزية، وبأجرة أسبوعية، لا تتعدى الواحد والعشرين جنيهاً إسترلينياً، ورغم أن الإسترليني يومها بتسعة دراهم، إلا أن «البوند.. بوند»، تذهب للمطعم التركي، وتمزر بطنك بـ «ساندويتش شاورما، وخبز تنور، وسلطة، وكولا» بجنيه إسترليني، ليس الآن صاحب المطعم اللبناني، الإسترليني عنده يشبه الليرة اللبنانية، وتظل تشكو من أن أكله شبه بارد، سائق الأجرة اللندني، يظل يحوط بك تلك الشوارع، وفي الآخر، ينزل ويفتح لك الباب، بتهذيب تقليدي، اعتاد عليه، وفرضته عليه مهنته، تقبضه ما يسره، ولا يتعدى الجنيه ونصف، والبقشيش بنسات قليلة، الآن تسمع السائق الباكستاني يتأفف قبل أن تركب تلك السيارة التي ذهبت نظافتها، والسائق الأفريقي الكومنولثي يتمنى أن تكون فتحة العداد بحجم فتحة أنفه، بخمسة جنيهات، وليت الزبائن لا يثرثرون معه كثيراً، غابت الأصالة والبساطة والتقليد الإنجليزي الصارم، وحضر الغلاء، وعدم قيمة ما تقدم، مقابل خدمات أساسية، وليست تَرَفية، وانتقل الشارع بكل لغته الفجة، وتفاصيله في حياة الناس، والتي ذهب رقيها، وسمو ألفاظها ومعانيها.

بعد لندن استقليت قطاراً، ثم أبحرنا باتجاه فرنسا، وبتذكرة طلابية «أون ديك»، ومن ثم قطاراً آخر حتى باريس، ولا أحد يسأل عن «جواز سفرك، ولا فيزتك»، ومثلما ودعت الجنيه الإسترليني العريق، استقبلني الفرنك الفرنسي «الحر»، وبأجرة لا تتعدى الستين فرنكاً استطعت أن أجد مكاناً في نُزل الشباب التونسي، صحيح أن الحمامات عامة، ومشتركة، والاستحمام يحتاج التنقل بين الممرات بالفوط القطنية الرخيصة، لكن بعشرين فرنكاً تستطيع أن تجلب دجاجة ظلت تتقلب على «الشَوّاية» ساعات، وخبزتين «باكيت» من الذي تحبه قلوبكم، وزجاجة كولا بحجم عائلي، وبطاطا مقلية بلا قياس، اليوم العشاء بعشرين يورو، وتقول: يا ليت أن أشبع، لقد عانينا بفرح، لكننا كنا سعيدين بأشيائنا البسيطة، لذا تجد الآه تخرج بحسرة كلما ذهبنا لتلك المدن، وتذكرنا أيامنا، وتذكرنا كيف كانت الأمور، وتذكرنا الحفاوة، لا كراهية، ولا شر مضمر، ولا اتهامات مبطنة، ولا تفكير بالأذى، ولا تلك النظرة الدونية، والتشفي بالتفتيش، ولا حتى تلك الروح العدائية تجاه الآخر، وتجاه ما يحمل في يده..

وغداً نكمل

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا