• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م
2016-12-02
داموا له.. ودام بهم ولهم
2016-12-01
السماحة تميزهم.. ولا تغيرهم
2016-11-30
سرديَّات للوطن.. وعنه
2016-11-29
نتذكر ونقول: شكراً
2016-11-28
متفرقات
2016-11-27
دعوة للتأمل والشكر
2016-11-26
تذكرة.. وحقيبة سفر-2
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر (1)

تاريخ النشر: الجمعة 26 فبراير 2016

مرة.. ضاعت مني محفظتي في باريس، وكانت عامرة بالنقود، والبطاقات، والهويات، فشعرت أن الإنسان في المدن الكبيرة عبارة عن رقم تعريفي، وورقة، وبطاقة، فوقعت المحفظة في يد شاب لم يرحمها، فأوصلها بعد مدة، ولكنها خاوية، فكتبت يومها مقامات أمين الزمان الحرامي:

أبدأ بالشكر والامتنان، لكلّ من سأل عن حالي، وتلمس أخباري، وأحوالي، في عزّ محنتي، وفقداني محفظتي، وسرقة أموالي، فالمعدن الطيب لا تفضحه النيران، يظل لامعاً براقاً على طول الأزمان، هذا ما غاب عن أصدقاء باريس والجيران، الذين اكتفوا بهزّ رؤوسهم، ورفع كتوفهم، دلائل التأسف والخسران، تذكرت أرض الخير وأهل الخير، وطن الجود والكرم والإحسان، تذكرت كيف أن أشتكى عضو تداعت بالسهر والحمى سائر أعضاء الأبدان، لم تدهشني المفاجأة، ولم يقعدني طلب المكافأة، فهذا دستور آخر الزمان.

ففي بلاد الإفرنج، ليس هناك أخ فتنتخيه، ولا ابن عمّ فتنتصيه، الكلّ يركض وراء الوقت، والعمل، والمال، ولا قيمة لكلمة الرجال، الجميع يرقد على القرش رقدة الجبان، والإنسان لا يعدو قيمة قط، أو جرو مدلل، أو شفة كأس من مخزون الدنان، لذلك اكتفيت بالتحسر والتذمر، ورفع أكف التضرع للمنان، عله يمنن علينا من جود فيضه، ويمنحنا من واسع غيضه، ويسخر للمحفظة ابن حلال، لا عابد درهم ودينار وريال، ولما انقضى يوم وشطر من نهار، وأنا كالذي يتقلى على مراجل من نار، عين تناظر الباب، وعين على الهاتف كالمنظار، ولما علّ صبري، ومللت الانتظار، عمدت إلى الطعام، فلم أبق إلا على صحون خالية، وقدور خاوية، وثلاجة ذاوية، ولما انتهيت من وجبة الأسد هذه، عاودني القلق والارتياب، والتفكير بما آلت إليه أموري في بلد الغربة والاغتراب!

وبعد هنيهة، وهنيهات.. حمل لي الهاتف بشارة، في أجمل كلمتين: وجدت المحفظة، ثم طلب الزيارة، رحبت به بحبور، وكدت من فرحتي أن أنثر في طريقه الورد، وأحرق البخور، فقال لي: اهتديت إلى طريقك، من هاتف في محفظتك، لصديقك، لكني وجدتها دسمة بالبطاقات والوعود، غير أنها خالية من النقود، فأضمرتها في نفسي، وقلت الرجل الفطين من يركب الهزيل، حتى يلحق بالسمين، مدّ له خيطاً يا فَطِن، فلعلك تكون الرابح، وهو المشدود، سألني بماذا عليه سأجود؟ فقلت له الجود من الموجود، فتململ في صوته كالسكران، وقال: أبعدني عن كلمات الشكر والامتنان والعرفان، فهذه رخيصة في النطق، خفيفة في الميزان، والأفضل منها فرنك رنّان، يشفي الموجوع، ويعلل المفجوع، ويسعد الإنسان.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا