• الأحد 02 جمادى الآخرة 1439هـ - 18 فبراير 2018م
2018-02-18
فاقد الأحلام
2018-02-17
صعب النهار بدونها
2018-02-16
تذكرة.. وحقيبة سفر
2018-02-15
خميسيات
2018-02-14
الفرق بين «أمسك ويَوّد» - 2
2018-02-13
الفرق بين «أمسك ويَوّد» -1-
2018-02-12
عبء النفس
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر

تاريخ النشر: الجمعة 18 يناير 2013

لا غبطة إلا على رحلة بحرية طويلة، ولا زهو مثل حياة القبطان، كان ذاك هو الشعور الأول والقدم تُعَتبّ في تلك المدينة المتحركة على وجه الماء، وحين يوقظك صباحك المختلف، تشعر أن ثمة معنى لكل الأشياء، وأن التفاصيل الصغيرة تشعل الرأس، وتجعل حمامة القلب تتقافز في قفصك الصدري، كأن يحط نورس ويتبعه نورس في شرفة غرفتك المائية، يتناقران على بقايا فتات على الطاولة الخشبية الرطبة، ثم يتابعان صهيل الماء، والسفر البعيد، قد تكون تلك إشارة ليبدأ صباحك المحاط بالأزرق، تتناول إفطارك متوحداً بلمعة الماء، وبتحايا سريعة من سفن عابرة، وركابها العجلين على رؤية المدن والناس، كم هو جميل هذا الصبح الذي تمضغ فيه فطورك ببطء دونما عجلة من أحد، ولا من نفسك حتى، وبكسل يذكرك بنوع جميل من الإجازات لا تحدث دائماً.

تختار زاويتك، وتستدفئ الشمس وتلك الريح التي تشاغبها الأمواج، وتجلس مع العجائز الجالسات على معاشات التقاعد، والإستثمار المبكر في العقارات، لا يخفين فضولهن لهذا الغريب الذي يرتدي الأبيض الكتاني، كأنه نورس البحر حلّ قريباً منهن، يحركهن الشغف، وربما الحنين لأولادهن، ويبدأن السؤال والسؤال، تجيب بطريقتك البرقية، وهن يحببن التفاصيل، يسرقن ابتسامة حقيقية من عينيك، وتجاورهن، تختار زاوية محببة للنفس كعادتك في الجلوس متطرفاً، ومشرفاً بنظرك على الجميع، تستمتع بفنجان قهوة الحليب الذي تقدمه النادلة الفلبينية بفرح تعودت عليه في خدمة المراكب، وترجمة لشعار السفينة «الهمس الفضي»، «أن كل من عليها ليسوا غرباء، وإنما أصدقاء لم يلتقوا يوماً، ولم تسنح الفرصة ليتعارفوا أكثر».

مع الصمت الصباحي الجميل والتأملي، إلا من مشاغبات الموج، وثرثرات العجائز الأميركيات، يكون لفنجان القهوة بالحليب متعة، وحتى تلك الصحون البيضاء، والفضيات اللامعة والتي تملأ الطاولة دون معنى غير التوتر للجالس، تمنح لتلك الجلسة شيئاً من الحميمية، قد تكون غائبة طوال أيام العمل والركض النهاري الذي تقتحمه الهواتف الرنانة، وطقطقة المسائل الحسابية الضجرة، وأن تكون موظفاً عائلياً.

بعد إبحار دام طوال الليل، تستمتع بصبحه الأول، وبالعجائز الأميركيات وجدالهن عن الأحفاد الغائبين، والأولاد الذين يتذكرونهن في المناسبات ببطاقات معايدة رخيصة، ولا تصل في موعدها غالباً، بعد سويعات مع الكلام الذي يعلكنه، والحلويات التي يتزعمنها، تهب نسمة باردة، يدخلها عنوة بحر الإدرياتيك إلى شعبهن الهوائية، ومع تمايل السفينة على الماء، تبدأ العجائز في الإغفاءة الإجبارية، وتبدأ أصواتهن في الانخفاض، ويغيب الحماس الصباحي للمكوث الطويل، وقراءة كتاب ينتصفه القص بورقة معطرة، كعادة النساء المهذبات الكاثوليكيات، لا بثنية ورقة من طرفها كعادة الطلاب غير الصبورين، ينسحبن إلى أجنحتهن لينعمن برقدة خاطفة.. وتبقى وحدك ولمعة الأزرق في عينيك الفرحتين بالسفر والماء وغبطة ذلك القبطان.

ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا