• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م
2016-12-10
يشبهون أبوابهم.. وتشبههم
2016-12-09
تذكرة.. وحقيبة سفر
2016-12-08
خميسيات
2016-12-07
التنسك في الألوان
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
مقالات أخرى للكاتب

ذاكرة.. مسافرة

تاريخ النشر: الجمعة 17 يناير 2014

الذي كان يعرف أبوظبي قديماً، كان لابد وأن يعرف «إيوان» و«استراند»، الأول يقع على مقربة من الكورنيش القديم، والآخر في شارع المطار، لقد قيل يومها عنهما الكثير، واحد كان يحاذي وزارة المعارف، أو يقع تحتها قبل أن تسمى وزارة التربية والتعليم، والآخر قبالة مبنى البريد المركزي القديم، اشتهر هذان المشربان لأنهما الأقدم والأوحد في مساءات المدينة التي كانت تستدعي عمّال وأجيري الدنيا للحفر والبناء والتعمير والتأسيس، كما كانا محطة للترفيه الليلي للقادمين والطارئين على المدينة التي كانت يومها متاحة لكل شيء جديد وغريب، وكانت رجّة «الجز والتعويض» تطرق البيوت القديمة وحاراتها الصغيرة المتناثرة على أرض الجزيرة، ثمة طعم آخر للحياة، لم يتعود عليه الناس، وتحفز بولوج عصر مختلف!

كان مما يقوله الناس حين يرون بقايا من بقايا سهرات الليل، سواء على كثبان الرمل أو بجانب سيف البحر من زجاجات فارغة، وعلب متناثرة، أن «هالإنجليز بيجلبون لنا البلاء»، قليل من كان يدرك أن المدينة ستكبر وستتمدد على الجهات الأربع التي كانت تضيق بها، وأن ما يرونه، هو جزء من ضريبة الشيء القادم الجميل، كان عطران الشوارب يدخلون المكانين عُقلهم مائلة، وعقولهم هائمة، ويخرجون وعُقلهم منكسة، وعقولهم منهكة، وأكثر الخارجين يحلفون بالطلاق من «أم محمد» أو يسب مديره الإنجليزي أو«تنديل الشغل في الكامب»، وآخرون يتمنون الإنجليزيات اللواتي يسكنّ فللا فاخرة على البحر، ببشرتهن التي لا تشبه جلود نسائهم، يتعازمون ويتشارطون على أشياء التحدي الليلي، ويختلقون قصصاً وهمية جميلة في رؤوسهم، هي أفكار النهار الصحراوي القاسي، وغلطة الطبيعة، وذكورة الأشياء، وتلك اللغة الإنجليزية المتعثرة بمحليتنا، والمنطوقة بطريقة أمّية، كل الذين يحلفون بطلاق حريمهم، لا يتركون المكانين حتى يسيل الروّان على صدور كناديرهم المناضلة، أو يُتَرّعون به في الزوايا المظلمة، ويقسم الشجعان منهم أن يصلوا ليوا قبل مطلع الشمس كرمى لعيون «الطيب، بو رمان زمام»، مخيلات الليل تجعلهم لا يتعدون بر الجزيرة، يظلون يدورون حولها حتى تغفو العيون أو يغرز «الجيب» في مطلع رملة أو تتوقف «المشتختة» عن الدوران غاصة بأسطوانات «حمادة فون» التي ملّت من إعادة الأغنية كلما انتهت، وصاحبنا الذي ناوي «جدا ليوا أو عمان يتذكر خلان الزمان» في ذلك الليل البهيم!

لقد مر على هذين المكانين أناس كثر، من جنسيات مختلفة، وأعمار متفاوتة، وملل متعددة، ودارت فيهما قصص وحكايات، وحيكت صفقات وسرقات، واليوم لم يبق من رواد «استراند وإيوان» الكثير، لقد شاخوا، أو تابوا، أو أصبحوا من نسيج حكايات الليل التي تنقضي، تماماً مثلما أندثر «إيوان» أولاً، و«استراند» تالياً ذاهبين في النسيان، وفي تغطرس المدينة التي لم ترض أن تحمل معها في زمنها الجديد أشياء معلقة من قديمها، مثل «إيوان واستراند»!.

amood8@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا