• الخميس 27 ذي الحجة 1437هـ - 29 سبتمبر 2016م
2016-09-29
الحجاب والإرهاب
2016-09-28
«العين» تقرأ..
2016-09-27
«شاتي.. ولا تحاتي»!
2016-09-26
اليمن غير السعيد
2016-09-25
لاعبو السياسة.. وسياسيو اللعبة
2016-09-24
حيث يسكن الشيطان..
2016-09-22
الجينز.. عنوان العصر
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر

تاريخ النشر: الجمعة 23 سبتمبر 2016

بعض المدن التي تزورها تصبح رؤيتها كمشاهدة أشباح ضبابية، تمر هي وصورها المهادنة الغائبة، وكأنها تداعيات مساءات مخمورة، ولا تعلق بذاكرتك منها أي رائحة للناس والمكان، ولا يلح شيء منها على رأسك، كصباح مختلف أو مقهى يقبض على زوّاره العجلين عند ناصية الشارع أو حديقة خضراء بالناس والذكريات أو أقلها مطعم عتيق يؤرخ لسيرة المكان وأغاني العشاق، ولحظات دموعهم، أين سكير الحي، يتبعه كلبه العجوز؟ لا مشاغبات لأطفال واعدين بالضجيج والسفر البعيد، لا امرأة مختلفة تمر من هنا!

في مثل تلك المدن أي شيء فيها يمكن أن تكون قد رأيته في مكان ما في العالم، وهذا ما يجعلها أول الغائبين عن الرأس، ثم إن هناك غياباً تاماً آخر، وهو غياب الدهشة، فلا تتوقع أن تتوقف عند شيء معجباً أو غاضباً، تسير في الطرقات فلا تتوقع غير باص قادم أو سيارات مسرعة أو محل تجاري من عدة طوابق يقبض خاصرة الشارع، ومصرف صارم، وفوقه شركة تأمين لا ترحم، لا يمكن أن يفاجئك تمثال لبحار غامر باتجاه البحر والرزق والزرقة أو شاعر كان صديقاً للشجر ومنشداً للوهاد والهضاب، وما يمكن أن يمزق القلوب ساعة التخلي، أو رسام يتأمل اللوحة الأبدية للراعي وأغنامه المتفرقة، والشمس الغاربة إلى مكان خلف الجبل.

تتجول ولا يمكن أن تتعثر فيها بأي حجر على الطريق، تاريخها متماه مع دول الجوار أو منهوب الروح، فكل شعب احتلها ثم ذهب منها بعد ذلك حاملاً تاريخه الذي كان هناك معه، لا جغرافية غير شتاء غاضب ملتح بالبياض، ويمكث طويلاً كدهر على الصدر، لا ثمة بطولات يمكن أن تفرح المدينة طويلاً، وتطرّز مساءات الأطفال، وتجعل أحدهم فارساً لصبية تتعاطى من الحلم بأول التماسات الأنثى التي تكبر، وحكايات مسائية كـ«لبان الملائكة» تلوكه العجائز لأحفادهن قبل ساعات النوم.

في مثل تلك المدن لا راسيات لحجر يعاند الدهر، ويظل شاهداً حين يتلاطم الموج، وفزّاعة موت للغادرين المتسللين تحت جنح الليل، لا كنائس لها عطر الغيب وكلمات السموات، وبرودة الحجر والخشب والسكينة، لا شيء فيها مختبئ يهمس في آذان المارين أن له صفة التمايز والمغايرة، لا شيء فيها يقول لك: «قف.. أنا مختلف»!

تجوبها وتتمنى لو أن لها علامة فارقة، فقط حين تعطب الذاكرة، ويحتاج الشيخ الفاني المتفاني أن يدس شيئاً منها في جرابه، وهو يعد خطواته الصوفية نحو المدن والناس والحياة والوجد!

amood8@alIttihad.ae

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

كيف تقيم الأداء العربي في أولمبياد ريو؟

جيد
عادي
سيء