• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م
2016-12-08
خميسيات
2016-12-07
التنسك في الألوان
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
2016-12-03
فرح ملوّن برباعية البيرق
2016-12-02
داموا له.. ودام بهم ولهم
مقالات أخرى للكاتب

ذاكرة.. مسافرة

تاريخ النشر: الجمعة 23 مايو 2014

لوحة جميلة تستوقفني، فأقبض عليها مجمدة في إطار، أو في ثنايا الذاكرة، يمر بها الناس سراعاً، ولا يتنبهون لها، تلك هي لوحة الكرسي الفارغ في الحدائق العامة، في الخريف الماطر، والشتاء الثلجي، في الربيع حيث يفرح برائحة الزهور ولونها، وفي غبشة أيام الصيف، حيث الشمس وانعتاق الأجساد، كثيراً ما أتوقف عند هذا المشهد في حدائق أوروبا القديمة، حيث للحديقة موقعها، وللكراسي المسنة فيها تاريخها، ترى هل يتذكر ذاك الكرسي كل العابرين مثل:

العجوز التي كانت تحرص ألا يسبقها إليه أحد، تجلس منتظرة الشمس في أول دفئها وإشراقتها، تجلس محتضنة حقيبتها الأنيقة، تناظر الناس، تقضي الساعات التي تمر بغير فرح حقيقي، وقبل أن تودعه تظهر من حقيبتها زجاجة ماء صغيرة، وتتناول حبات من أدوية مختلفة، وتغادر لعل يوماً جديداً آخر يجمعها به.

عاشقان لاذا به، وهما يوشوشان بعضهما كطائري حمام، يسترخيان في زهو عمرهما، ويبثان بعضهما أشواقاً لا تنقطع، قد يغنيان من نشوتهما، قد يحفران عليه اسميهما وسط رسمة قلب يتمنيان أن ينبض بحرارتهما ولقائهما وذكرياتهما.

مسنان في خريف العمر، يتدثران بملابس ظلا مخلصين لها، وعكازة للرجل العجوز الذي يتمنى أن يودع الحياة قبل زوجته لكي لا يبكيها وحده، ولا يتعذب بفراقها بعد رحلة عمر امتدت طويلاً، ولهما ذكريات محفورة على الكرسي.

سكير الحي المخمور بالحياة وربما بخيانة فتت كبده، يلوذ بالكرسي حين يريد أن ينام، تاركاً زجاجته شبه الفارغة تحته، وحقيبة شبه خاوية تختصر حياته، يتمدد عليه ليصحو من غيبوبته الدائمة، وقد يتذكر من عبثت بدنياه.

مهاجر فقير حتى العظم، يجلس عليه ليكتب رسالة قد لا تصل لبلده البعيد، ليؤكد لأهله أنه ما زال حياً، ولكن لا يرزق، وقد يسأل هل مازالت حبيبته تنتظره بالوفاء؟ وهل خف سعال الأم العجوز؟ وهل الأب مازال عاطلاً، عاجزاً؟ وكيف هن الأخوات، هل ما زلن تحت ستر البيت؟

طالبات عائدات بحقائبهن المدرسية، وقميص الثانوية الأبيض، يثرثرن بأحلام العمر، ويتهامسن عن مغنٍ تشتعل صوره في لوحات الإعلانات، يصمتن ليسمعن أغاني عاطفية عبر سماعات الأذن، يتنهدن، ثم يتذكرن الساعة، فيجفلن راكضات يسابقن بعضهن، وصراخهن بدأ يعطي طعماً للأنوثة.

فنان يظهر من حقيبته الجلدية دفتراً أبيض، ويبدأ يستدعي خطوطاً وألوانا وسط دخان من سيجارته يكاد لا ينطفئ، يبدل وضع رجليه مراراً على ذلك الكرسي، تضيء داخله سعادة تعود عليها حين ينجز ما يفرحه، فجأة أصبحت تلك الأوراق البيضاء تدب فيها ألوان الحياة.

كاتب يتأمل الوجوه، والملابس ودبيب الأقدام.

مطلقة تدفع عربة طفلها الوحيد.

عازف يبكّي أوتار كمانه.

وعجوزان مدبران يعدان الخطوات، وكرسي وحيد وبعيد تحرسه ظلال الحديقة.

amood8@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا