لا تنعت بدوياً على بيتك، ولا تستقرب نعت البدو، ولا تنصحه، ولا تقبل نصيحته دون تمحيص، في الأولى سيصبّحك نهار كل جمعة، وإن تعذر حضوره فهناك الأخ وابن العم، فقومه أصبحوا منذ إن عرفك قومك، وفي الثانية لا تستقرب نصحه، لأن كل شيء ليس بالبعيد عنده في صحرائه المترامية الأطراف، فالمسافات تتشابه عنده لأنها كلها تحمل المكابدة، فلا يهم البعيد والقريب منها، فيقال قريّب بدو، والبدوي يقول لك: فرّة عصا، لكن الحقيقة أنك ستتعب، وتحفى قدماك من المشي، فهو بعيد في “جلعة أبليس أو في جلعة النيا” أو “وين ما ضيّع أبليس عياله” أما الثالثة فلا تنصحه، لأن ناصحكم يا بدو معدود في النار، والرابعة لا تقبل نصيحته دون تمحيص لأنه بطبعه ملول وينفر من الغريب، ولا يخلص له في النصيحة، ويأخذ الأمور بعفويته، ولا يحسب الضرر دائماً. تلك من سمات البدوي في أي مكان، وحاولت أن أقارب بين وصف الشخصية البدوية وما يطرحه علماء الاجتماع، لأصل إلى شيء كان موجوداً عندنا، وبنيت عليه مسميات، وحيكت حوله قصص، ففي الزمان كان الإنجليز هم أول الرحالين والمستكشفين لأراضينا، وهم من وثق الكثير من المسميات لأماكن كثيرة في الدولة، وعملوا الخرائط الجغرافية، وكان مرشدوهم إلى هذه الأماكن المجهولة في الغالب من البدو الذين يجيدون السبر، ويقصون الأثر، ولهم دراية في الطرق الصعاب، لكنهم في الغالب لم يكونوا يطيقون أسئلة “العنكريزي” الدائمة، خاصة أنه يسأل عن “الحوّة وعروقها” يعني يريد يعرف كل شيء، ما اسم هذا المكان؟ ولماذا سمي بذلك الاسم؟ والبدوي ما له “بارض” والإنجليزي لا يمل من السؤال، فكلما لاقى رمثة سأل البدوي عنها، وكلما ما خطف على عرقوب تنشد البدوي عن اسمه، والبدوي الذي يعرفه يخبره به، والذي لا يعرفه يهلّ من رأسه، والإنجليزي يدون، ويسجل، ومرات كثيرة خاصة حين يظهر بخل الإنجليزي تجاه البدوي يجعله يسجل نعوتاً سيئة، ومسميات فاضحة، وعبارات لا تليق، ومرات يلصقها بالإنجليزي، ومرات يلصقها بقومه من الأعداء أو حتى يلصقها بنفسه، ومرات يخترع له من المسميات المضحكة، ولا يقتصر الأمر على الإنجليزي المستكشف، ولكن بعض المسميات للأمكنة عندنا تكون نتيجة ذبحة بين الناس أو نتيجة لصلح بينهم أو نتيجة لتنازع أكثر من قبيلة على ذلك النقى أو الند أو البئر أو البدع، ومرات يكون الاسم نتيجة المصادفة، كأن يمر قوم بفضاء ويجدوا عجوزاً وحيدة مع شاتها تغزل غزلها، فتسقي القوم من حليب شاتها، فيطلقون عليه أم العنز أو نكود العيوز، وهناك مسميات كثيرة بعضها يخجل المرء من ذكرها، وبعضها له حساسية ما، وبعضها بدأ بالمزاح وثبت في ذاكرة الناس، وغداً نكمل..