• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
2016-12-03
فرح ملوّن برباعية البيرق
2016-12-02
داموا له.. ودام بهم ولهم
2016-12-01
السماحة تميزهم.. ولا تغيرهم
2016-11-30
سرديَّات للوطن.. وعنه
مقالات أخرى للكاتب

يأتي الحزن مرة واحدة.. وتباعاً

تاريخ النشر: الأحد 20 أبريل 2014

ما أصعب تلك الشيخوخة التي تجر معها العمر الهارب! وتمكث طويلاً عند عتبة باب دارك، فارضة عليك ذاكرتها الجديدة الهشة، بعدما اغتالت ذاكرة الحياة، وملح العمر، وألوانه، ليس هناك غير مفردات اليوم التي ترددها، وأنت تمضغ «لبان الملائكة» في خريف عمرك، في غياب الذاكرة.. وداعاً لكل شيء، هكذا رثيت الكاتب الجميل «غابرييل غارثيا ماركيز» فيما تبقى له من أيام لا تحس، ولا ثمة أنس بوجودها، وكأنها خارجة عن حسابات الوقت، ومضيعة الزمن، لأن الشيخوخة هجمت بكل النسيان، فجأة غاب حس زوجته «مرثيديس» وغابت رائحتها في البيت، وظلها الذي يهمس للجدران ودفئها، فجأة غاب أبطاله من الروايات والحكايات، وتفرقوا في الظلمات والبحور العميقة، وغدا لا يعرف أحداً منهم، ضاعوا في الحروف، وسكنوا ذاكرة الناس، ما عدا ذاكرة «ماركيز» الجديدة الطريّة، والهشة مثل صلصال لن يتكون!

لعلها من أقسى الأمور على الكاتب الذي أبدع الحكايات، وقص القصص، وخلق أبطالاً من الحروف والكلمات والصور، أن تضيع منه معاني الكلمات، ووهج الحروف، وآدمية الصور، لقد اشتعلت المخيلة بلون الرصاص الداكن، فلم تعد للسماء زرقتها في عينيه، ولم يعد فستان الساتان اللامع لتلك الصبية التي عشقها في قريته، وطافت معه يسحبها كظله في مدن كثيرة، يتذكرها ويتذكر لونه النبيذي الملوكي الذي كان يغشى على قلبه إن لبسته في ليلها الصاخب بالمطر والـ«فينو روخو» والذكريات الدافئة، لقد تيبست الصور الممتعة التي كانت تنهال وتنثال من رأس ظل جميلاً ومبدعاً، ما أتعب الخرف الذي يطيل خريف العمر، ولا يصبغ الأشياء بألوانها، لا شيء غير الرماد، ودخان ذاكرة معطوبة، «ماركيز» لا تستحق هذه النهاية الصامتة، وحدك والفراغ والعدم، وظلال أشياء غائبة أو معشبة في الضباب، وأنت الذي كنت تعطي لتفاصيل حياة الناس رنيناً وحضوراً وألواناً سحرية، وأشياء كدنا أن نلمسها بأطراف أصابعنا، وأشياء حلوة كـ«سُكر عدن» كانت تتسرب لأفواهنا، وتبقينا أطفالاً سعداء!

وكما غاب عن «ماركيز» أبطال الحكايات، غاب عن ذاكرته الأصدقاء، وصوت الجارة التي ترطّب صباحاته بالعافية، مثلما غابت أحاسيس المنزل والمسكن والزوايا التي كان يكتب فيها، لا معنى للمدفئة التي تسكن الحائط المرخم الآن، ولا ثمة رائحة لحطب الموقد، ولا شواء الكستناء، ولا ظلال من غبش لشراب العنب الذي يسرّبه له خوري الكنيسة القديمة، ذهب العمال والكادحون بصبحهم، كما ذهبت الصبايا في أثوابهن الفضفاضة مع الريح والمطر خلف مظلاتهن الهاربة في الطرقات اللامعة، غابت كل المدن والأسفار والمشاغبات وحبر الورق وحريق الصحافة في عمى الشيخوخة القاتل، فجأة غابت الألوان وأنسنتها من أمام عين «ماركيز» حينما فقد الذاكرة، وفقد ما كان يمده بطعم الحياة، دونما أن يتمكن من وداع كل أشيائه التي حبها بصدق، وبعمق!

amood8@yahoo.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا