• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م
2016-12-09
تذكرة.. وحقيبة سفر
2016-12-08
خميسيات
2016-12-07
التنسك في الألوان
2016-12-06
معانٍ من السعادة بسيطة
2016-12-05
ساعات ضائعة من عمرها
2016-12-04
نوبل.. تلك النافذة الكبيرة
2016-12-03
فرح ملوّن برباعية البيرق
مقالات أخرى للكاتب

تذكرة.. وحقيبة سفر 2-

تاريخ النشر: السبت 23 يناير 2016

من المدن التي قبضت فيها على السعادة التي لا يخطئها القلب، ولا تجعله يستقر في مكانه:

باريس: كانت ليلة زمهريرية، والخريف في آخر رمقه، والمسكن خال من أي أثاث في مكانه، ثمة فوضى تجعلك تربط رأسك، وتشد جبهتك، وتتفكر، ما أصعب أن تفكك أعضاء أي شيء، وما أصعب الانتقال! أي وحشة يمكن أن تتركها في المكان القديم، وأي وحشة ستسبقك إلى المكان الجديد! ليلة تقلبت في ساعاتها الكسولة، حتى أخذك الحلم لقريب الفجر، وقال لك: انهض، ثمة سعادة ستلقاها هذا النهار، بدأت بزخات من مطر لؤلؤي على ذلك الزجاج المطل على نهر السين، ومراقبة من عل لكل أولئك الغابشين تتبعهم أوراق الخريف المصفرة اليابسة، ولمعة البلل في الطريق التي كثيراً ما تحركك لشراء باقة من زهر توليب أصفر، ونداء هو شيء من الدفء الصباحي لامس القلب فجأة، وحضر!

تونس: وذاك الصيف الذي كان آخر زمن الدفاتر المسطرة، والحقيبة المدرسية المتهدلة، والكتب المجلدة بأوراق رخيصة ملونة، لترضي مربي الفصل، وتسعد الموجه الذي يزورنا كل شهر، كان صيفاً هو نهاية الشهادات العامة الثلاث، وبداية التمزق بين ما تريد أن تكون، وما يجب عليك أن تكون، صيفاً لو لم تكن تونس الحاضنة له، لكنت مازلت تحجل نحو فضاءات تحتاج إلى الصبر، وتحتاج إلى السفر، وتحتاج إلى السبر، بداية المغامرات الشابة الحرشة، المعفرة بتربة البحر، وسماكة رطوبته الخارجة لتوها من قميص الثانوية الأبيض الطافح بفجر الأنوثة، وشغب الزغب الذي لا تعرف كيف التعامل معه، يربكك مثلما يربك بزوغه كل الأمكنة!

إسطنبول: أن تلتقي بمدينة بعد الغياب، تختبئ لها كل هذا الشوق الذي تريد أن تنثره ورداً تحت قدميها مرة واحدة، وتمضي.. تلتقيها والوقت آخر الليل، وأول المطر، تجوس فيها وحدك تاركاً الذاكرة تشتعل بالطرق والناس وقصص الزمان، تتوحد بها لا تريد أن يفوتك منها شيء، ليلها الممطر، عطر المساء في المدينة القديمة، التاريخ حين يستند لجدار قديم، الحكايات التي تختزنها رؤوس البحارة المغادرين على عجل، كؤوس «ناظم حكمت» و«عزيز نيسين»، خطوات مولانا «جلال الدين» في الفجر، وهو يطرق أبواب المريدين، يحرض ظلامهم بحروف المعرفة، والتقوى، وهيبة الشعر، وحده الليل في إسطنبول، وفي الشرفة المطلة على البسفور، نمت ببرودة طفل من أيقونات الكنائس، قابضاً على السعادة، غير راغب أن تغادر إطار اللوحة الجدارية، لا بكسل، ولا على مهل!

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا