• الأحد 02 صفر 1439هـ - 22 أكتوبر 2017م
2017-10-22
متفرقات الأحد
2017-10-21
محطات
2017-10-20
تذكرة.. وحقيبة سفر
2017-10-19
خميسيات
2017-10-18
يلوثون بأفعالهم أسماء غيرهم
2017-10-17
«السيبرنيطيقيا.. والبايب فيتر»
2017-10-16
حراك الداخل.. صراع الخارج
مقالات أخرى للكاتب

صباحات مدن معطرة

تاريخ النشر: السبت 03 مارس 2012

للوجبات طقوس اجتماعية تصاحبها، فالعشاء عادة ما يرتبط بالرومانسية، وحميمية اللقاءات، أما الغداء فأكثره غداء عمل، ولقاءات عابرة وسريعة، ولا تثبت في الذاكرة، وناسها قلما تتذكرهم أو يتذكرونك بعد انتهاء تلك المصلحة، وحده الفطور مظلوم من بين تلك الوجبات، فأكثر الناس لا يعترفون به، رغم أنه من أهم الوجبات وأكثرها فائدة، وهو الوحيد الذي يجعل الجسد يحرق سعراته الحرارية ويخلصه من الدهون، ويقوي العضل، وهو أنسب الأوقات لصفاء الذهن، وجلسات التأمل، والتعبير بعفوية تجاه من تحب إذا شاركتك تلك الساعة الغالية، أتذكر الفطور كوجبة مقدسة، وأتذكر مدناً كثيرة أعطتني ذلك الشرف والمتعة أن أشاركها صباحها الحلو، ما أجمل الفطور في المدن المختلفة، من يتذوق المدن وتطيب له رائحتها والسفر إليها وفيها، تطيب له شهية صباحها، وذلك المرتب على غطاء الطاولات الأبيض، تنشرح النفس وتنثال أيام حلوة ويحلّ عليك صفاء، كأن المطر باغتك فجأة، وسكينة يبعثها ذلك الهواء البارد، وثقة الناس في خطواتهم وهم يبكرون نحو رزق حلال، وعمل يشبه العبادة، صباح مدن كجنيف، وقرى ثلجية على طريق الريف أو طريق نابليون القديم الذي شقه بخيوله من باريس إلى مقاطعات سويسرا، ومدن فرنسا المتناثرة على البساط الأخضر، والأنهار التي تعطي للقرى الكثير من الطمأنينة، وتجعل أهلها متعلقون بالأرض، لا يبرحونها ما استطاعوا، ثمة عطر يشبه الصبح ينبعث من تلك القهوة التي تفوح بأريج رائحتها الدافئة من بعيد، معطية لغبش النهار المتكاسل نشاطاً آخر، فطور يحاذي نافذة مطلة على الشارع تقدر أن تعد خطوات المارين بعجل أو مهل، مثل فتاة تريد حرق الطريق معتقدة أن يقظة الصباح لها وحدها، أو عجوزين في خريف العمر يقطعان الطريق بثرثرة لا تنقطع عن أيام خوال يتذكران بعضها ويكررانه ثم يتخاصمان فجأة، فطور في بيت خشبي مغطى سقفه بالثلج، ومحاطة جوانبه بالثلج، ترى فيه المدفأة التي يطقطق حطبها، فتنسى منظر البياض البارد والطاغي على المكان، لا تتخيل إلا طهر البياض، ولا يبقى في العينين إلا ظل رجال يتوشحون به، ميزتهم الخير والصدق وذلك الشرف النبيل، فطور غير عادي في ذاك المكان ستقبض عليه الذاكرة طويلاً، وسيزورك حين تفتقد الراحة في أيام عجلى، وساعات تلتهم يومك بأرقامها ومراجعاتها ونسبها المئوية، فطور على شرفات مطلة مرة على البسفور، ومنظر السفن الغادية، فطور على شرفة في جزيرة ترى تلاطم أمواج المحيط أمامك كنمر واثب، فطور صيفي يشاركك البحر فيه، فطور مدن كبار ترهبك أن تكون وحيداً فيها، تشعرك بعضها باليتم لأنه لم يعد لك أحد فيها، بعضها الآخر تخاف أن تتغير ولا تعرف شيئاً فيها، صباحات مدن جميلة، وفطور يشعرك بالعافية، ويمدك بفرح لا ينتهي مع اليوم.. ويدوم كثيراً.


[email protected]

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا